التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الترجمة استعمارٌ ناعم: حين تُعيد اللغة تشكيل التفكير

تخيل أنك تقف في مكتبةٍ مزدحمة، تتصفّح كتابًا مترجمًا عن الإنجليزية، فتقرأ عبارةً تتحدّث عن   تحرر الفرد من قيود الجماعة . تومئ برأسك موافقًا، ثم تمضي. لم تنتبِه إلى أن العبارة لم تنقل إليك معنىً فحسب، بل نقلت معها   حمولة فكرية   و افتراضًا كاملًا   عن العلاقة بين الفرد والجماعة: عن كون الجماعة   قيدًا لا حضنًا ، وعن كون التحرر منها   مكسبًا لا خسارة . في تلك اللحظة الصامتة، حدث ما هو أعمق من القراءة: حدثت   إعادة ترتيب خفيّة   لطريقتك في رؤية الأشياء. هذا هو السؤال الذي كان يشغلني: هل الترجمة   فعلٌ بريء ، أم أنها   قناةٌ تتسلّل عبرها رؤى العالم ؟ ما الذي ينتقل حين ننقل الكلمة؟ ليست اللغة وعاءً للمعنى فحسب، بل هي   طريقةٌ أيضًا في رؤية العالم . وكلما انتقل النص من لسان إلى لسان، انتقل معه شيء من منظومته الثقافيّة و حمولته الفكرية ، وانتقلت معه   افتراضاته الخفيّة   التي لا تظهر في المعنى المباشر. ولهذا يمكن النظر إلى الترجمة، حين تُدار خارج   الوعي النقدي ، بوصفها نوعًا من   الاستعمار الناعم : استعمار لا يكتفي ب...

رثاء وداعاً زاهر: مرارة الفقد ووجع الفراق



استحال الشهدُ في فمي علقماً، وغدت الدنيا في ناظري أطلالاً بلقعاً؛ فلا الوجوه التي ألقاها هي الوجوه التي ألفت، ولا الزاد الذي أطعمه هو الزاد الذي عهدت، بل لكأن الحياة برمتها قد نُزعت منها روحها، فغدت جثةً هامدةً لا نبض فيها ولا حياة.

إنه يومٌ تاهت فيه بوصلة الشعور، وعجز العقل عن استيعاب الهول؛ يومٌ ودعتُ فيه شقيق الروح، وخدين الصبا، ومستودع سرائر العمر كهلاً ويافعاً. ذاك الذي لم يكن مجرد صديق، بل كان قطعةً مني، أعرف مفاتيح روحه، ومكامن أنسه، ومواضع شجوه، كما يعرف المرء خطوط كفه.

كنتُ أسبقه في الميلاد بسنة، وكان يسبقني في الحكمة بقرون.

ما زال صوته يتردد في جنبات ذاكرتي، حين سألته يوماً معاتباً: “يا زاهر، لِمَ تتعجل الوتر في أول الليل؟”. فأجابني بفطرة المؤمن النقي، ولسانِ الصادق الوجل: “أخشى أن يغلبني النوم يا حسن، فتفوتني مناجاة ربي”. قالها ببساطةٍ أسقطت كل حججي، فمضى ثابتاً على وتره كالجبل الأشم، ومضيتُ أنا بين إقبالٍ وإدبار، أصلي يوماً وأنقطع دهراً.

ولم أدرك عمق تلك الكلمات إلا حين هجم عليه المرض وهو في ريعان شبابه، ووهن العظم منه. دخلتُ عليه وقد تاه عقله في غياهب الألم، فإذا بي أراه -ويا لهول ما رأيت- يفترش سجادته، باحثاً بقلبه عن قبلةٍ ضلت عنها حواسه، يصلي لربٍ لا يغيب، لا يدري كم ركع ولا كم سجد!
هنا، وحين عدّلتُ له سجادته ووجهتُ وجهه شطر المسجد الحرام، أدركتُ معنى أن يكون القلب معلقاً بالسماء، ورأيتُ رأي العين كيف يغلب الطبعُ التطبع، وكيف تظل الروح ساجدةً حتى وإن غاب العقل.

لقد خلف رحيله المبكر في الحلق غصةً لا تُساغ، وفي القلب صدعاً لا يُرأب، وكأنما انطفأ سراجٌ من نبلٍ، وغار نبعٌ من وفاء. ولعمري، إذا اجتمعت في المرء خصالٌ كخصاله؛ تعلقٌ بالصلاة فرضاً ونفلاً، وصيام الهواجر، ونفسٌ أبية، ووقوفٌ عند الحق، وصبرٌ جميلٌ على البلاء، فقد طوى صحيفة الدنيا ناصعةً بيضاء، ومضى إلى ربه مرضياً عنه -بإذن الله-.

عشرُ سنين عجاف من عمره القصير، قضاها يتقلب على جمر المرض صابراً محتسباً، تذرف عيناه الدمع من شدة الوجع، ولسانه عفٌّ عن الشكوى، كتومٌ لألمه. وإن في كتاب الله لسلوى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}، وفي سنة نبينا -صلى الله عليه وسلم- عزاءٌ للمكلومين، بأن البلاء سوطٌ يسوق العبد إلى منازل لم يكن ليبلغها بعمله، فيبتليه الله ليرفعه، ويمحصه ليجتبيه.

قد تمر هذه الكلمات على البعض مرور الكرام، فلا يدركون عظم المفقود، ولكن حسبه أن صفوةً من صحبه ومحبيه يعلمون أيَّ طودٍ هوى، وأيَّ بدرٍ أفل.

تتلاشى الكلمات، وتتيه العبارات، ويغرق البيان في بحر الدموع، وكما قيل:

*وَمَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ *** يَجِدْ مُرًّا بِهِ الْمَاءَ الزُّلَالَا*

لم يبقَ لي بعدك يا زاهر إلا اجترار الذكريات، ونبش دفاتر ربع قرنٍ من الإخاء، ودعواتٌ أرفعها في جوف الليل: “اللهم كما جمعتنا في فناء الدنيا، فاجمعنا في فردوسك الأعلى”.

نم قرير العين يا صاحبي، رحمك الله رحمةً واسعة، و الموعد الجنة بإذن الله تعالى.


From Blogger iPhone client

تعليقات

المشاركات الشائعة