مميزة
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
رثاء وداعاً زاهر: مرارة الفقد ووجع الفراق
استحال الشهدُ في فمي علقماً، وغدت الدنيا في ناظري أطلالاً بلقعاً؛ فلا الوجوه التي ألقاها هي الوجوه التي ألفت، ولا الزاد الذي أطعمه هو الزاد الذي عهدت، بل لكأن الحياة برمتها قد نُزعت منها روحها، فغدت جثةً هامدةً لا نبض فيها ولا حياة.
إنه يومٌ تاهت فيه بوصلة الشعور، وعجز العقل عن استيعاب الهول؛ يومٌ ودعتُ فيه شقيق الروح، وخدين الصبا، ومستودع سرائر العمر كهلاً ويافعاً. ذاك الذي لم يكن مجرد صديق، بل كان قطعةً مني، أعرف مفاتيح روحه، ومكامن أنسه، ومواضع شجوه، كما يعرف المرء خطوط كفه.
كنتُ أسبقه في الميلاد بسنة، وكان يسبقني في الحكمة بقرون.
ما زال صوته يتردد في جنبات ذاكرتي، حين سألته يوماً معاتباً: “يا زاهر، لِمَ تتعجل الوتر في أول الليل؟”. فأجابني بفطرة المؤمن النقي، ولسانِ الصادق الوجل: “أخشى أن يغلبني النوم يا حسن، فتفوتني مناجاة ربي”. قالها ببساطةٍ أسقطت كل حججي، فمضى ثابتاً على وتره كالجبل الأشم، ومضيتُ أنا بين إقبالٍ وإدبار، أصلي يوماً وأنقطع دهراً.
ولم أدرك عمق تلك الكلمات إلا حين هجم عليه المرض وهو في ريعان شبابه، ووهن العظم منه. دخلتُ عليه وقد تاه عقله في غياهب الألم، فإذا بي أراه -ويا لهول ما رأيت- يفترش سجادته، باحثاً بقلبه عن قبلةٍ ضلت عنها حواسه، يصلي لربٍ لا يغيب، لا يدري كم ركع ولا كم سجد!
هنا، وحين عدّلتُ له سجادته ووجهتُ وجهه شطر المسجد الحرام، أدركتُ معنى أن يكون القلب معلقاً بالسماء، ورأيتُ رأي العين كيف يغلب الطبعُ التطبع، وكيف تظل الروح ساجدةً حتى وإن غاب العقل.
لقد خلف رحيله المبكر في الحلق غصةً لا تُساغ، وفي القلب صدعاً لا يُرأب، وكأنما انطفأ سراجٌ من نبلٍ، وغار نبعٌ من وفاء. ولعمري، إذا اجتمعت في المرء خصالٌ كخصاله؛ تعلقٌ بالصلاة فرضاً ونفلاً، وصيام الهواجر، ونفسٌ أبية، ووقوفٌ عند الحق، وصبرٌ جميلٌ على البلاء، فقد طوى صحيفة الدنيا ناصعةً بيضاء، ومضى إلى ربه مرضياً عنه -بإذن الله-.
عشرُ سنين عجاف من عمره القصير، قضاها يتقلب على جمر المرض صابراً محتسباً، تذرف عيناه الدمع من شدة الوجع، ولسانه عفٌّ عن الشكوى، كتومٌ لألمه. وإن في كتاب الله لسلوى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}، وفي سنة نبينا -صلى الله عليه وسلم- عزاءٌ للمكلومين، بأن البلاء سوطٌ يسوق العبد إلى منازل لم يكن ليبلغها بعمله، فيبتليه الله ليرفعه، ويمحصه ليجتبيه.
قد تمر هذه الكلمات على البعض مرور الكرام، فلا يدركون عظم المفقود، ولكن حسبه أن صفوةً من صحبه ومحبيه يعلمون أيَّ طودٍ هوى، وأيَّ بدرٍ أفل.
تتلاشى الكلمات، وتتيه العبارات، ويغرق البيان في بحر الدموع، وكما قيل:
*وَمَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ *** يَجِدْ مُرًّا بِهِ الْمَاءَ الزُّلَالَا*
لم يبقَ لي بعدك يا زاهر إلا اجترار الذكريات، ونبش دفاتر ربع قرنٍ من الإخاء، ودعواتٌ أرفعها في جوف الليل: “اللهم كما جمعتنا في فناء الدنيا، فاجمعنا في فردوسك الأعلى”.
نم قرير العين يا صاحبي، رحمك الله رحمةً واسعة، و الموعد الجنة بإذن الله تعالى.
المشاركات الشائعة
التوكل على الله وعناية الله بالعبد: قصة تأمّل
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى

تعليقات
إرسال تعليق