مميزة
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
النباتات في الأدب العربي: دلالاتها ورمزيتها عبر العصور
النباتات في الأدب
إن الشعر العربي ليس مجرّد كلماتٍ منظومة على بحور الخليل، بل هو أطلسٌ جغرافي، وسِجلٌّ بيئي، وموسوعةٌ نباتية سطّرها الشعراء دون أن يدروا أنّهم يؤرّخون للمكان بذكر شجرة، أو يحدّدون الإقليم بنبتة. فحين تُقلِّب دواوين العرب وتتأمّل قصائدهم، تجد أنّ ذكرهم للنباتات لم يكن عبثًا أو زينةً لفظية، بل كان دليلًا دقيقًا يميّز تهامة عن نجد، والحجاز عن الشام؛ فمن النبات ما لا ينبت إلا في أرض بعينها: فالدوم ينعم في تهامة والحجاز، بينما الغَضى والعَرْفَج يشمخان في فيافي نجد، والأرطى والطَّرفاء يعانقان الأودية والسيول، ومن هنا صار النبات في الشعر العربي لغةً صامتة تنطق بالمكان، ورمزًا كثيفًا يحمل في أوراقه وأغصانه إشاراتٍ إلى الجغرافيا والتاريخ والعقيدة والوجدان معًا.
وقبل أن يكون النباتُ علامةً على المواضع والديار، هو في الأصل آية من آيات الله، وإعجاز قائم بذاته؛ فكما أنّ هناك أمرًا بأن يأكل الإنسان من الطيّبات، هناك أمر بأن ينظر إلى هذا الطعام نظرَ تأمّل وتفكّر، لا نظرَ جَوْعٍ وشهوة؛ قال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. فهذا النظر لا علاقة له بمجرّد الأكل، بل هو نظر المتفكّر الذي يرى في الحَبّة والثمرة والسنبلة آياتٍ على القدرة، وحِكَمًا في التنويع والتسخير. والنبات مسخَّر لمعظم حاجات الإنسان؛ يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ومن تأمّل في «نبات كل شيء» رأى عجبًا: نباتًا نتغذّى من أزهاره، ونباتًا من أوراقه، ونباتًا من جذوره، ونباتًا هو دواء، وآخرُ أصباغ، وثالث موادّ خفيفة كالفلّين، ورابع موادّ صلبة كالكوشر (المطاط)، وخامس يُتَّخذ أواني، وسادس يُصنع منه الورق؛ بل إنك لو تتبعت ما ينبت على وجه الأرض لما استطعت إحصاء أنواعه: نبات حدودي بين البساتين، ونبات يُفترش مسطحًا أخضر، ونباتُ ورودٍ ورياحين، ونبات لإمتاع العين، وآخر يكون مظلّة أمام البيت، فكأن معظم حاجات الإنسان الدنيوية تُقضى من عالم النبات.
وإذا رجعنا إلى الشعر وجدناه يوظّف هذه الثروة النباتية لتحديد الأمكنة بدقّة مدهشة؛ خذ مثلًا موضعًا يُدعى «قوّ»؛ هناك «قوّ» في الحجاز، وآخر في نجد، فكيف نفرّق بينهما؟ النباتُ هو الفيصل. يروي بعضهم أن الهِجري أنشد لابن الدُّهَيْ:
خَليليَّ سِيرا واجعَلا هَضْبَ وابشٍ
مَدَى الطَّرْفِ مِن أعضادِهِنَّ المياسِرِ
ومُرّا على (قَوٍّ) فَقِيلا بدومِه
وروحا إذا فاءت ظِلالُ الهَواجِرِ
فإن عَسى أن تُسْلِما وتَغْنَما
إذا قيل تُرْعَى بالمُريرِ الأباعِرُ
فلما ذَكَر «الدوم» عُلم أنّه يقصد قوّ الحجاز؛ لأن الدوم - تلك النخلة الشامخة ذات الجذع المتشعِّب - لا ينبت إلا في الأراضي الحارّة الرطبة كتهامة والحجاز، وقد أكّد هذا علامة الجزيرة حمد الجاسر - رحمه الله - حين قال: إن قوًّا هذا وادٍ عظيم يخترق الجهراء، ويقع جنوب تيماء، وينحدر من المرتفعات الواقعة شمال خيبر. أمّا الشَّماخ الذبياني فيقول:
عَفا بَطنُ قَوٍّ من سُليمى فعالِزُ
فذاتُ الغَضى فالمُشرِفاتُ النواشِزُ
فلما قرن «قوًّا» بـ«الغَضى» - ذلك الشجر الصلب ذو الشوك الذي تتخذه العرب وقودًا نفيسًا - عُلم أنه يقصد قوّ نجد؛ لأن الغَضى من نباتات الهضاب والفيافي النجدية، ولا يكاد يوجد في تهامة أو الحجاز، وهكذا كانت شجرة واحدة كفيلةً بأن تهدي الجغرافي إلى الموضع المقصود.
بهذا المعنى كان الشعراء - دون قصد منهم - جغرافيين يرسمون الخرائط بالكلمات؛ فإذا ذكر الشاعر الأثل والسِّدر علمتَ أنه قريبٌ من الأودية ومجاري الماء، وإذا ذكر النخيلَ والدوم أدركتَ أنّه في الواحات والأرض المروية، وإذا ذكر الحنظلَ والعِشْرَ رأيتَ بعين خيالك أرضًا قاحلة لا يعيش فيها إلا صلبُ النبات وصبورُه، وقد أفاد بعض العلماء من هذه اللغة النباتية الصامتة في تحديد مواقع المعارك التاريخية، وتعيين مواضع الديار التي تغنّى بها الشعراء في مطالع قصائدهم؛ فصار النبات عندهم دليلًا ميدانيًّا لا يقلّ شأنًا عن روايات النَّسّابين والبلدانيين. ومن أوائل من تنبّه لهذا الباب الجليل الأديبُ اللغوي الفذّ الأصمعي، الذي ألّف كتابًا نفيسًا سمّاه «النبات»، جمع فيه أسماء النباتات التي وردت في أشعار العرب، وفصّل القول في بيئاتها ومنابتها وخصائصها، وأجود تحقيقات هذا الكتاب ما قام به عبدالله الغنيم، وطُبع في دار «دُرّة الغوّاص»، فكان مرجعًا يجمع بين متعة الأدب ودقّة العلم.
وعلى طريق الجمع بين التأمّل الإيماني ووصف النبات يمشي أبو نواس الحسن بن هانئ، ذلك الشاعر الذي قال فيه أبو عبيدة: «كان أبو نواس للمحدَثين كامرئ القيس للمتقدمين»، وهو أول من نهج للشعر طريقته الحَضرية وأخرجه من اللهجة البدوية، وقد طرق جميع الأغراض، وأجود شعره خمريّاته على ما اشتهر في كتب الأدب، غير أنّ له في باب التوبة والإنابة أشعارًا رقيقة، أشهرها قصيدته:
يا ربِّ إن عظُمتْ ذنوبي كثرةً
فلقد علمتُ بأن عفوك أعظمُ
…
وقد ذُكر في ترجمته أنّه رُؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: «غفر لي وأدخلني الجنة بقصيدتي في النرجس»، وهي القصيدة التي يحوّل فيها زهرةً واحدة إلى معرضٍ للتوحيد والتأمّل:
تَأمّلْ في نباتِ الأرضِ وانظُرْ
إلى آثارِ ما صنع المليكُ
عيونٌ من لجينٍ شاخصاتٌ
بأبصارٍ هي الذهبُ السَّبيكُ
على قُضُبِ الزبرجدِ شاهداتٌ
بأنَّ اللهَ ليس له شريكُ
فهذا أبو نواس الذي عُرف بخمريّاته، ينقلب عند حضرة النرجس متفكّرًا في خلق الله، ناثرًا على أوراق النبات عقيدةَ التوحيد، ليقدّم مثالًا على أنّ التأمّل في الكائنات باب واسع إلى الإيمان والخشوع.
وصاحب التشبيه الدقيق - يبكي أظعان «ميّ» فيقول:
نَظَرْتُ إلى أظعانِ مَيٍّ كأنَّها
ذُرى النخلِ أو أثلٌ تميلُ ذوائبُهْ
فأسْبَلَتِ العينانِ والقلبُ كاتمٌ
بمغرورقٍ نمّت عليه سواكِبُهْ
هنا يتخذ الشاعر من الأثل رمزًا لقوافل الراحلين، تتمايل في البعيد كما تتمايل رؤوس الأثل على ضفاف الوادي، فيتساقط دمعه كما تتساقط أوراق الشجر، وعلى النقيض من هذا الموضع العاطفي الرقيق، نجد مالكَ بن نُويرة يوظّف الأثل في سياق الشماتة بأعدائه حين صُرِعوا وأُسِروا:
فأقررتُ عيني حين ظلّوا كأنَّهم
ببطن الأيادِ خُشْبُ أثلٍ مسنّدُ
صريعٌ عليه الطيرُ تنتخُ عينَهُ
وآخَرُ مَكْبولٌ يميلُ مُقيّدُ
فصار الأثل اليابس خشبًا تُسنِده الجثث على وجه الأرض، ومسرحًا للطيور الجارحة، في صورة عنيفةٍ تُقابل رهافةَ صورة ذي الرمة السابقة، وفي سياق العزّة القبلية والأنفة أصبح «نحت الأثل» كناية عن النَّيل من الحِمى والكرامة؛ يقول يزيد بن الحذّاق في هجاء النعمان بن المنذر:
فإذا بدا لك نَحْتَ أثلتَنا
فعليكها إن كنتَ ذا حَردِ
ثم تتردّد هذه النبرة في قول يزيد بن علي:
مَهْلًا بني عمِّنا عن نحتِ أثلتِنا
سيروا رُويدًا كما كنتم تسيرونا
حتى الأعشى يقول في الفخر:
ألستَ منتهيًا عن نحتِ أثلتِنا
ولستَ ضائرَها ما أطّتِ الإبلُ
فالأثل في هذه النماذج شجرة تتحوّل إلى راية للدار والعِرض؛ من تعرّض لها فقد تعرّض للقبيلة وحياضها.
وقد أحاط العربَ وهمٌ طويل بأن لكلّ شاعر «شيطانًا» يُلقي عليه الشعر؛ وها هو الأعشى يروي حكاية لقائه بشيطانه «مِسْحل بن أثاثة» في خباء غريب، ثم ينسب إليه أروع قصائده حتى قال:
حَباني أخي الجنيُّ نفسي فداؤهُ
بأفيحَ جياشِ العشيّاتِ مِرْجَمِ
وسمّوا شياطين الشعراء بأسماء: فشيطان امرئ القيس «لافظ بن لاحظ»، وللمخبَّل القيسي «عُمَر»، وللنابغة «هاذر بن ماهر»… إلى آخر ما في كتب الأخبار من طرائف، ومهما يكن من صحّة هذه الأساطير، فهي تكشف عن إيمان العرب بأن خلف هذه الصور المدهشة في وصف النبات والبيئة «سرًّا» خارجًا عن المألوف؛ فكأن الطبيعة نفسها تتواطأ مع الشاعر لتُسعفه بالصور والأخيلة.
وإذا انتقلنا من الأثل إلى الأراك رأيناه حاضرًا في الشعر بوصفه معلمًا للبيئة ومصدرًا للسواك وعلفًا للأنعام، ثم يتجاوز ذلك إلى رمزيةٍ أوسع؛ ففي الهجاء نجد شقيق بن السليك يرسم صورةً قبيحةً للفم مستعينًا بسواك الأراك:
كأنَّ المساويكَ في شدقِهِ
إذا هِنَّ أكرَهْنَ يقلعنَ طينَا
وفي الفخر والحماسة، يربط عمرو بن كلثوم بين الأراك والأثل وبين اختيارهم ميدان المعركة المكشوف:
قِراعُ السيوفِ بالسيوفِ أحَلَّنا
بأرضِ بَراحٍ ذي أراكٍ وذي أثلِ
كأنه يقول: لسنا ممن يختبئ خلف الجبال والهضاب؛ بل نواجه الأعداء في فضاء مكشوف تحفّه أشجار الأراك والأثل، ويأتي المتنبي في مدائحه لعضد الدولة فيُدخل الأراك في سياق النعمة والطيب في قوله: «ويَمنحُه البشامةَ والأراكا»، فصار الأراك قرينًا للرائحة الطيبة والعيش الرغيد بعد أن كان قرينًا لأودية القتال.
ومثل الأراك، أغرى الأقحوانُ الشعراءَ ببياضه الناضر، فاستعاروه للبساتين مرة وللثغور المبتسمة مرة أخرى؛ فهذا محمد بن يسير الرياشي يرسم بستانه في لوحة حيّة تتراقص فيها الألوان، ومنها الأقحوان، ثم يُقبل الشعراء على تشبيه الأسنان به لصفائها وتفلّجها؛ فيقول الشماخ بن ضرار:
تميحُ بمِسواكِ الأراكِ بَنانُها
رُضابَ الندى عن أُقحوانٍ مُفلَّجِ
ويقول عمار ذو كبار في وصف ثغر حبيبته:
تفترُّ عن سِمطَينِ من بَرَدٍ
متفلّجٍ عن حسنِ مبتسَمِ
كالأقحوانِ لغِبِ ساريةٍ
جَنحَ العشاءِ يُنيرُ في الظُّلَمِ
فانتقلت زهرة الأقحوان من حوافّ البساتين إلى حوافّ الابتسامة، ومن ضفة الغدير إلى ضفة الشفاه. وعلى الطرف الآخر من سلّم الجمال يقف الثمام والحنظل؛ فالثمام من نباتات البوادي القاحلة، لذلك ارتبط ذكره بالديار الدارسة والخرائب، حتى يقول النابغة الذبياني عن دار «نُعم»:
فما وجدتُ بها شيئًا ألوذُ به
إلا الثُّمامَ وإلا موقدَ النارِ
أما الحنظل بمرارته فقد أكثر الشعراء من ذكره في سياق الفخر واحتمال الشدائد؛ وعنترة بن شداد يجعل فرسانه في يوم الهيجاء كأنهم يُسقَون «نقيع الحنظل» في بيت مشهور من معلقته، في صورة تمزج بين مرارة الموت وشجاعة الإقبال عليه.
ثم يجيء الريحان عطرًا يخلط بين أجواء الحرب وأجواء الغزل؛ فالمتنبي يمدح قومًا ألفوا القتال حتى صارت رائحة الدم عندهم كأنها ريحان:
كأنّهم يردون الموتَ من ظمإٍ
أو يَشْقُون من الخطى ريحانا
وبشّار بن بُرد يتمنى لو كان ريحانًا أو قضيبًا من التفاح، ليكون أقرب إلى من يحب، في مشهد غزليّ لطيف، فصار الريحان جسرًا يتمنّى العاشق أن يمرّ منه إلى قلب معشوقته.
ويتجاوب مع هذه النباتات شجرُ السِّدر والسَّلَم والطَّلْح والنخيل؛ فالسِّدر شجرةٌ حبيبة تُستدعى معها صورة الدار وأهلها حتى يكاد الشاعر يجعل محبّته للسدر من محبّته للحيّ، والسَّلَمُ عند بعضهم رمزٌ لدوام الخضرة وثبات الودّ، والطلحُ تتحوّل أغصانه في خيال حميد بن ثور إلى تجاعيد وجهٍ تعكس قسوة السنّ حين نظرَت امرأةٌ في المرآة فأرتْها «غضونًا كأنها مجرُّ غصون الطلح ما ذقن فدفدا».
وأما النخلة، سيّدة أشجار الصحراء ورمز الحياة والعطاء والبقاء، فقد حضر ذكرها في القديم والحديث؛ فامرؤ القيس يشبّه شعر محبوبته بعرجون النخلة المتدلي، وصفي الدين الحلي يجعل النخلة رمزًا لوفاء المحبوب وثبات الودّ، وعبد الرحمن الداخل يرى نخلةً مفردة في الرصافة بالأندلس فيراها شبيهةً بحاله في الغربة عن أرض النخيل في المشرق، فيخاطبها ويستبكي غربته معها في أبيات خالدة.
ومع أن أمثلتنا مضت في الشعر الفصيح، فإن الشعر الشعبي النبطي ظلّ هو الآخر أمينًا للنبات وأسمائه، يصف به البيوت والبوادي ويستحضر به رائحة الطفولة والديار؛ ومن أبدع النماذج قصيدة الشاعر محمد بن ناصر الشهراني التي سرد فيها عشرات النباتات الصحراوية: من الحَمّاض والعتري والفعم والقَصْد، إلى السِّلم والثَّمام والسِّدر، إلى الضِّهْيان والضِّيمران والعَرْفَج والأقحوان والحَرْمَل والرمث والسرح والعرعر والعُتم والنَّصِي والدَّعاع، في لوحة كبيرة تُشبه «جردًا نباتيًّا» لأرض الجزيرة، تُثبت أن ذاكرة النبات في الشعر العربي لم تنقطع، وأنّ الشاعر البدوي المعاصر لا يزال يَعُدّ النباتات واحدًا واحدًا كما كان يفعل أسلافه، يَرى في كلّ نبتةٍ رائحةَ موضع، وذكرى أهل، وصوتَ ماء، ووجهَ حبيب.
المشاركات الشائعة
التوكل على الله وعناية الله بالعبد: قصة تأمّل
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
رثاء وداعاً زاهر: مرارة الفقد ووجع الفراق
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى

تعليقات
إرسال تعليق