الملعب ليس مستويًا: المركزية الأوروبية في عالم الرياضة
مدخل
حين يرفع لاعب الكأسَ في ملعب أوروبي، يُصفَّق له العالم. وحين يرفعها في مكان آخر، يبحث العالم عمّن يمنحه الاعتراف. هذا الفارق البسيط في نظرة الناس هو مدخلنا إلى سؤال أعمق: من يملك في الرياضة سلطة تعريف القيمة؟
حين يتأمل الباحث عالم الرياضة الحديثة لا يلبث أن يكتشف أن الأمر لا يتعلق بالموهبة وحدها، ولا بالعمل والإنجاز فقط، بل يتصل أيضًا بمن يملك سلطة التعريف، ومن يوزع الاعتراف، ومن يضع المعايير التي يصير الناس بعدها إلى مركز وهامش. فالرياضة العالمية، في صورتها المؤسسية والإعلامية، نشأت داخل فضاء غربي مهيمن، ثم تمددت إلى العالم كله وهي تحمل معها كثيرًا من تصورات هذا الفضاء عن القوة والتفوق والجدارة.
ومن هنا لم يعد التحيز الغربي في الرياضة حادثة عابرة، ولا زلة خطابية معزولة، بل صار بنية تتكرر في الجوائز والبطولات والتغطيات والتصورات الذهنية. المشكلة لا تكمن فقط في أن أوروبا متقدمة تنظيميًا وماليًا، فهذا جزء من المشهد لا كله، بل في أن هذا التقدم يتحول في الخطاب السائد إلى دليل ضمني على أحقية أوروبا وحدها بقيادة المعنى الرياضي العالمي، وكأن بقية الأمم لا تدخل ساحة التقدير إلا بعد أن تنال ختم العبور من المركز الأوروبي.
الرياضة ولغة الهيمنة
الرياضة ليست بريئة كما تبدو في ظاهرها. فهي لا تجري خارج التاريخ، ولا تتشكل بعيدًا عن السياسة والاقتصاد والثقافة، بل تتغذى منها جميعًا ثم تعيد إنتاجها في صورة منافسة ومجد وصور بطولية. وقد بيّنت دراسات نظرية ما بعد الاستعمار والنقد الثقافي أن الرياضة الحديثة حملت آثارًا باقية من زمن الإمبراطوريات، واستبقت كثيرًا من التصنيفات التي رفعت الأوروبي إلى مقام المنظِّم والمُقيِّم، ودفعت غيره إلى خانة الموهبة الخام التي تنتظر الاعتراف.
ومن أخطر ما في هذه البنية أنها لا تعلن نفسها بوضوح دائمًا. فهي قد تأتي في صورة إشادة، أو في ثوب موضوعية، أو تحت عنوان المستوى الأعلى. غير أن التحليل المتأني يكشف أن اللغة نفسها توزع الصفات توزيعًا غير بريء: فيُوصف الأوروبي غالبًا بالذكاء والرؤية والانضباط، بينما يُوصف اللاعب القادم من إفريقيا أو من فضاءات الجنوب العالمي بالقوة والسرعة والاندفاع. والفرق بين الوصفين ليس لغويًا فقط، بل هو فرق في توزيع القيمة: عقل هنا، وجسد هناك، وإن تفاوتت درجاته وسياقاته.
الجوائز الفردية والجماعية وصناعة الاعتراف
من أظهر الأمثلة على المركزية الأوروبية جائزة الكرة الذهبية، تلك التي رُفعت طويلًا إلى منزلة الحكم الأعلى في تعريف أفضل لاعب في العالم. غير أن تاريخ الجائزة نفسه يكشف أنها لم تكن عالمية منذ البداية، بل كانت في أصلها مقصورة على اللاعبين الأوروبيين، ثم اتسعت لغير الأوروبيين بشرط أن يلعبوا في أندية أوروبا، ولم تأخذ طابعها العالمي الكامل إلا في مراحل لاحقة ومع ذلك لم يحققها أحد خارج ملاعب أوروبا .
وهذا التاريخ يحمل دلالة رمزية كبيرة؛ لأن معناه العملي أن أساطير كبرى من خارج أوروبا حُجبت عن الجائزة زمنًا طويلًا لا لقصور في الموهبة، بل لأن الباب لم يكن مفتوحًا لهم أصلًا. ومن هنا تغدو عبارة أفضل لاعب في العالم عبارة ملتبسة، لأن العالم في هذا السياق كان يُختزل في أوروبا أو فيمن عبر إليها ونال شرعية الظهور فيها.
بل إن الانتقادات الحديثة لنظام التصويت نفسه تشير إلى استمرار أثر الانحياز الجغرافي والإعلامي، إذ تميل دوائر التقييم إلى تفضيل اللاعب الذي يراه الإعلام الأوروبي بكثافة، ويعيش داخل الدوريات التي تتركز حولها العدسات والسرديات والحقوق التسويقية. وبذلك لا يعود الأداء الخالص وحده هو المعيار، بل يدخل معه عامل المكان وشبكة المتابعة وهيبة المؤسسة التي يلعب تحت رايتها اللاعب.
وإذا انتقلنا من الجوائز الفردية إلى البطولات الجماعية، رأينا الصورة نفسها في صيغ مختلفة. فقد كان النظام القديم لكأس العالم للأندية يمنح بطل أوروبا وبطل أمريكا الجنوبية امتياز الدخول المتأخر من نصف النهائي، بينما تضطر أندية آسيا وإفريقيا وأمريكا الشمالية وأوقيانوسيا إلى شق طريق أطول وأكثر إنهاكًا. ومثل هذا التنظيم لا يمكن النظر إليه بوصفه ترتيبًا فنيًا محضًا، لأنه ينطوي على افتراض مسبق بقيمة بعض الأندية وبعض القارات قبل أن تبدأ المنافسة أصلًا.
ومع التوسعة الجديدة للبطولة لم تختفِ المركزية الأوروبية، بل اتخذت صورة عددية أوضح، إذ حصلت أوروبا على أكبر عدد من المقاعد مقارنة ببقية القارات.
ولا يختلف الأمر كثيرًا في كأس العالم للمنتخبات. فتاريخ توزيع المقاعد يكشف بوضوح أن فكرة الجدارة كانت تختلط بموازين القوة والنفوذ داخل المؤسسات الدولية. وقد عانت إفريقيا طويلًا من تهميش في التمثيل، وكان عليها أن تخوض معارك سياسية ورياضية كي تنتزع موضعًا أقرب إلى الإنصاف، في حين حافظت أوروبا على الحصة الأكبر بما يجعل من العالمية إطارًا لا يخلو من تمركز راسخ.
وحتى مع توسعة بطولة 2026 إلى 48 منتخبًا، بقيت أوروبا صاحبة العدد الأكبر من المقاعد. وهذه الحقيقة لا تُقرأ فقط بلغة الأرقام، بل تُقرأ أيضًا بلغة الرمز. فحين تتكرر الأفضلية العددية والتنظيمية والإعلامية في أكثر من ساحة، تتكرس في الوعي الجمعي صورة أوروبا بوصفها صاحب الحق الطبيعي في الصدارة، لا مجرد قارة ناجحة من بين قارات أخرى.
ويظهر هذا المنطق أيضًا في كأس القارات للأندية، حيث يدخل بطل دوري أبطال أوروبا المسار من موقع امتياز واضح بحيث يلعب المباراة النهائية مباشرة، بينما نجد النادي الأهلي بطل النخبة في أكبر قارات العالم مطالبًا بخوض 3 مباريات إضافية قبل أن يبلغ النهائي. وهذا الترتيب يرسّخ مرة أخرى صورة المركز الذي يُعفى من بعض الطريق، والطرف الذي يُطلب منه أن يبرهن على أهليته عبر مسار أطول وأشق.
الإعلام وصناعة البطل الأوروبي
لا يمكن فهم هذه الظاهرة من غير النظر إلى الإعلام. فالإعلام الرياضي العالمي متمركز إلى حد بعيد في أوروبا والغرب، وهو الذي يملك قدرة هائلة على تشكيل الذائقة وصناعة النجومية وتحديد ما يستحق أن يُروى وما يستحق أن يُنسى. وعندما تتكرر قصص النجاح الأوروبية على الشاشات وتتضخم صور لاعبيها في الصحف والمنصات، يصبح التفوق الأوروبي وكأنه نتيجة طبيعية، لا نتيجة منظومة ترى وتُظهر وتُعيد السرد في اتجاه واحد.
ولهذا فإن اللاعب الذي يتألق في دوري أوروبي كبير لا يستفيد من مهارته وحدها، بل من آلة رمزية هائلة تحوّل إنجازه إلى حدث عالمي. أما اللاعب الذي يتألق خارج ذلك المركز، فإنه يحتاج إلى جهد مضاعف في الغالب كي يُرى أصلًا. وبذلك تتحول أوروبا من مكان تنافسي إلى مرجعية للمعنى نفسه، فيصبح اللعب فيها جزءًا من تعريف القيمة، لا مجرد مسار مهني بين مسارات متعددة.
تسييس الرياضة وانتقائية المعيار
ولا يقتصر التحيز في الرياضة على توزيع الاعتراف والجوائز، بل يتجاوز ذلك إلى توظيفها سياسيًا على نحو انتقائي. وأبلغ ما يكشف هذه الانتقائية هو تفاوت الاستجابة المؤسسية بين أزمة وأخرى؛ ففي بعض الحالات تتحرك الاتحادات الدولية بسرعة ملحوظة وتُطبَّق العقوبات دون تردد، بينما في حالات أخرى يُعاد اكتشاف مبدأ فصل الرياضة عن السياسة بصورة مفاجئة. وهذه الانتقائية بعينها هي الدليل الأوضح على أن المعيار ليس أخلاقيًا ثابتًا، بل هو معيار يتشكل وفق مركز القرار ومصالحه.
وهكذا تبدو السياسة حاضرة في الرياضة حين تخدم مصالح المركز، وتغيب أو تُخفَّف حين تمسّ أطرافًا أخرى أكثر حساسية في الحسابات الدولية. ومن ثمّ، فإن ما يبدو للمتلقي العادي موقفًا أخلاقيًا ثابتًا قد لا يكون في الحقيقة سوى انتقاء سياسي يلبس ثوب العدالة ثم يخلعه متى شاء.
الرياضة امتدادٌ لخيال استعماري
حين تُجمع هذه الخيوط كلها معًا، يظهر أن الرياضة الحديثة ليست معزولة عن الخيال الاستعماري الذي رتّب العالم إلى مركز وأطراف. وليس المقصود هنا أن كل تفوق أوروبي وهم خالص، أو أن كل إنجاز غربي مصنوع اصطناعًا، بل المقصود أن الطريقة التي يُفهم بها هذا التفوق، والطريقة التي يُعاد بها إنتاجه رمزيًا ومؤسسيًا، مشبعتان بتاريخ طويل من المركزية الأوروبية ومن أوهام الحق الطبيعي في الصدارة.
ومن هذه الزاوية تصير الرياضة نصًا ثقافيًا مفتوحًا، لا مجرد لعبة. وتغدو قراءة المركزية فيها بابًا لفهم بنية أوسع من علاقات القوة في العالم المعاصر. فالملعب قد يبدو مستويًا في ظاهره، لكن الطريق إلى هذا الملعب، وطريقة الحكم على من يلعب فيه، وطريقة منح التاج بعده، ليست دائمًا على القدر نفسه من المساواة والبراءة.
خاتمة
إن المركزية الأوروبية في عالم الرياضة لا تعيش اليوم غالبًا في صورة شعار صريح، بل في صورة بنى ناعمة ومتكررة تعمل في الجوائز، وفي نظام البطولات، وفي لغة التعليق، وفي توزيع الأدوار، وفي مركزية الإعلام والسوق. ولذلك فإن نقد هذه الظاهرة لا يقتضي إنكار الوقائع الرياضية، بل يقتضي مساءلة الإطار الذي تُفهم فيه تلك الوقائع، والمعايير التي تُصنع بها الهيبة، واللغة التي يُمنح بها بعض البشر صفة العقل ويُترك غيرهم في خانة الموهبة الخام.
وهكذا يتبين أن الرياضة، مهما بدت ميدانًا للمتعة وحدها، تحمل في داخلها تاريخًا من الصراع على المعنى والاعتراف. ومن يقرأها بهذه العين لن يرى في كثير من صور التفوق السائدة حقيقة طبيعية خالصة، بل سيرى امتيازًا تاريخيًا طُبع بطابع العادة حتى حسبه الناس قانونًا لا يُراجع.


تعليقات
إرسال تعليق