التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الترجمة استعمارٌ ناعم: حين تُعيد اللغة تشكيل التفكير

تخيل أنك تقف في مكتبةٍ مزدحمة، تتصفّح كتابًا مترجمًا عن الإنجليزية، فتقرأ عبارةً تتحدّث عن   تحرر الفرد من قيود الجماعة . تومئ برأسك موافقًا، ثم تمضي. لم تنتبِه إلى أن العبارة لم تنقل إليك معنىً فحسب، بل نقلت معها   حمولة فكرية   و افتراضًا كاملًا   عن العلاقة بين الفرد والجماعة: عن كون الجماعة   قيدًا لا حضنًا ، وعن كون التحرر منها   مكسبًا لا خسارة . في تلك اللحظة الصامتة، حدث ما هو أعمق من القراءة: حدثت   إعادة ترتيب خفيّة   لطريقتك في رؤية الأشياء. هذا هو السؤال الذي كان يشغلني: هل الترجمة   فعلٌ بريء ، أم أنها   قناةٌ تتسلّل عبرها رؤى العالم ؟ ما الذي ينتقل حين ننقل الكلمة؟ ليست اللغة وعاءً للمعنى فحسب، بل هي   طريقةٌ أيضًا في رؤية العالم . وكلما انتقل النص من لسان إلى لسان، انتقل معه شيء من منظومته الثقافيّة و حمولته الفكرية ، وانتقلت معه   افتراضاته الخفيّة   التي لا تظهر في المعنى المباشر. ولهذا يمكن النظر إلى الترجمة، حين تُدار خارج   الوعي النقدي ، بوصفها نوعًا من   الاستعمار الناعم : استعمار لا يكتفي ب...

الفرق بين الندم المفيد والاستسلام: كيف تتجاوز الماضي؟



الحمد لله على كل حال، ونسأله السداد في القول والعمل:

لقد كانت هناك “جنةٌ صغيرة” في قلب المذنب الأول؛ الضمير. كان يختلس الفعل في ظلام الليل، ويتوارى من الناس، وإن حضره الملاك في كل خطواته. صحيح أنه يعصي، لكنه -في لحظات الوضوء والصلاة- يستشعر ثقل ذنبه، فينقبض قلبه، ويرفع يديه مستجيراً بمن لا يعزب عنه مثقال ذرة. كانت المعصية تحرقه، والإثم يؤرقه، وهذا -لولا الحول والقوة- هو الطريق إلى التوبة.

لكن الزمان تبدل، والمفاهيم تشوهت، والألسنة تحررت:

بدأ “التهوين” يتسرب إلى الأرواح. سمعت من يقول: (فلها وربك يحلها)، أو يتمدد ويقول: كم مرة الواحد يعيش؟ كل الناس تفعل هذا فلِمَ أنا بالذات أقف؟. بل يأتيه الشيطان -ذاك الوسواس الخناس- يقول: أنت أحسن من غيرك؛ أنت تترك فريضتين وغيرك لا يصلي البتة.

كانت هذه الهمسات درعاً ضد الندم، وتخديراً للضمير. يحتمي بها المرء من تأنيب نفسه، كما يحتمي الجسم المريض بالحمى الكاذبة.

لكن الكارثة الحقيقية لم تأتِ بعد.

جاءت وسائل التواصل الاجتماعي كـ “زلزال” في دنيا الفضائل. انتشرت “المفاهيم الليبرالية” وكأنها رياح سموم تعصف بكل يقين. وظهر فئام من “المتحررين” -الذين لا فقه لهم ولا علم ولا غيرة على الدين- يقفون على المنابر الإلكترونية ينطقون باسم “التيسير والواقعية”، يقولون: [أحس أن فيها شيء] بدلاً من أن يقولوا: [هذا حكم الله وحكم رسوله].

هنا -وهنا بالذات- حدثت الطامة الكبرى:
تحول المذنب من “مستشعرٍ لذنبه” إلى “مجادلٍ في أحكام الله”. لم يعد يخفي معصيته، بل بات يدافع عنها! لم يعد يطلب الشفاء، بل أصبح يُعلّم الداء. وتلك الأحكام التي جادل فيها بعضُها معلوم من الدين بالضرورة، وبعضُها مما حكي الإجماع عليه، وأقلّها وأخفّها مما تناطق به الفقهاء من المكروهات.

فانتقل من “الندم الصامت” إلى “الجدل الصريح”.

وهنا يطرق الباب نداء الصادق الأمين ﷺ وهو يحذرنا من محقرات الذنوب -تلك الخطايا الصغيرة التي يستهين بها القلب-:

«إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كقوم نزلوا في بطن وادٍ، فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود، حتى أنضجوا خبزتهم. وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه».

رأيت كيف يجمع الحطب حبة تلو حبة حتى يشعل النار؟ هكذا الذنوب الصغار؛ تبدو كأغصان ضئيلة، حتى إذا اجتمعت أحرقت الرجل.

وفي صحيح البخاري، يشهد أنس بن مالك على حقيقة مرعبة:

«إنكم لتعملون أعمالاً هي أدقّ في أعينكم من الشعر؛ إن كنا لنعدها على عهد النبي  من الموبقات».

أي: كنا نعتبر ما تستهينون به الآن من أعظم المهلكات!


والآن، الخطاب يتسع ليعم الجميع:

يا من أقصرتَ وعصيتَ -وأنا أولُكم في الإقرار-، تذكر أنك وحدك ستقف أمام الله. قال سبحانه: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا}. لن يكون معك أحد، ولن تنفعك حجة “الناس تفعل”، ولن تنجيك عذورات “الوقت تغير”. ستقف وحيداً، والسجل مفتوح، والحساب حاضر.

وأما أنت -يا من تهون الذنب، وتحرّض الناس عليه، وتمنح الفتوى بـ “الإحساس” بدلاً من العلم-، فاسمع هذا الوعيد الرهيب:

{وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ}.

فأنتَ لا تحمل وزرك وحسب، بل تحمل أوزار من غررتهم. كل من اتبع فتواك الباطلة، أو اطمأن إلى تهوينك، فوزره على ظهرك إلى يوم القيامة.

فإن كنتَ تظن أن هذا “تطور” أو “انفتاح”، فأنتَ في ضلال مبين. وإن كنتَ تحب نفسك -حقاً وصدقاً-، فأحبها بالتوبة قبل أن يأتي اليوم الذي لا بيع فيه ولا خلال.


تعليقات

المشاركات الشائعة