التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الملعب ليس مستويًا: المركزية الأوروبية في عالم الرياضة

مدخل حين يرفع لاعب الكأسَ في ملعب أوروبي، يُصفَّق له العالم. وحين يرفعها في مكان آخر، يبحث العالم عمّن يمنحه الاعتراف. هذا الفارق البسيط في نظرة الناس هو مدخلنا إلى سؤال أعمق: من يملك في الرياضة سلطة تعريف القيمة؟ حين يتأمل الباحث عالم الرياضة الحديثة لا يلبث أن يكتشف أن الأمر لا يتعلق بالموهبة وحدها، ولا بالعمل والإنجاز فقط، بل يتصل أيضًا بمن يملك سلطة التعريف، ومن يوزع الاعتراف، ومن يضع المعايير التي يصير الناس بعدها إلى مركز وهامش. فالرياضة العالمية، في صورتها المؤسسية والإعلامية، نشأت داخل فضاء غربي مهيمن، ثم تمددت إلى العالم كله وهي تحمل معها كثيرًا من تصورات هذا الفضاء عن القوة والتفوق والجدارة. ومن هنا لم يعد التحيز الغربي في الرياضة حادثة عابرة، ولا زلة خطابية معزولة، بل صار بنية تتكرر في الجوائز والبطولات والتغطيات والتصورات الذهنية. المشكلة لا تكمن فقط في أن أوروبا متقدمة تنظيميًا وماليًا، فهذا جزء من المشهد لا كله، بل في أن هذا التقدم يتحول في الخطاب السائد إلى دليل ضمني على أحقية أوروبا وحدها بقيادة المعنى الرياضي العالمي، وكأن بقية الأمم لا تدخل ساحة التقدير إلا بعد أن تنا...

سجن نهواه: في التعلق بالتقنية




الحمد لله، وبعد:

الحمد لله الذي جعل الوقت وعاء العمل، والعمرَ رأس مال الإنسان، وبعد:
لقد آليتُ على نفسي في كل عامٍ أن أنسلخ من جلدي الإلكتروني، وأفرّ من ضجيج العالم الافتراضي إلى سكون الواقع الرحب؛ فقد استشعرتُ أن هذه الألواح المضيئة التي بين أيدينا لم تعد مجرد أدوات طيعة نُسخّرها، بل استحالت أسياداً مستبدة تسخّرنا، وتأسرنا في زنزانة من “المتعة السريعة” و”اللهاث المستمر”.
في خلوتي السنوية تلك، حيث أقطع حبال الوصل الواهية بتلك الشبكات، أجد للوقت بركةً محقتْها الشاشات، وللروح سكينةً بددتها التنبيهات. هناك، في رحاب العزلة الرقمية، تتسع لي الأوقات لأنجز ما تعسر، وأتعلم ما تيسر. وكلما ذقت حلاوة هذا التحرر، زاد يقيني بأننا غرقى في بحر لجيّ من التشتت، وأننا سجناء “طوعيون” لقضبان لا نراها، حيث يسكب المرء منا زهرة عمره -ثماني ساعات أو تزيد يومياً- في قربة مثقوبة، وسيسألنا الله عن هذا العمر فيم أفنيناه؟
ولقد عضد قناعتي هذه، وزادني بصيرةً بعبثية هذا الغرق، سياحتي في فكر الأستاذ إبراهيم السكران عبر كتابه الفذ “الماجريات”، وهو سفرٌ جدير بأن يعكف عليه كل طالب علم وحقيقة. ثم تكشفت لي الحقائق عاريةً حين طالعت ما خطه يراع خبير التقنية “جارون لانييه” في كتابه الصادم: (عشرة أسباب لحذف حساباتك على وسائل التواصل فوراً) Ten Arguments for Deleting Your Social Media Accounts Right Now.
إنه كتاب يشرّح الجثة، ويكشف كيف تحولت هذه المنصات من جسور للتواصل إلى فخاخ للاستغلال، صُممت خوارزمياتها بدهاء لتمزيق نسيج المجتمعات، والتلاعب بمشاعر البشر كما يتلاعب العازف بأوتار قيثارته، تارةً يضحكهم وتارةً يبكيهم، لا لشيء إلا لضمان بقائهم أسرى الشاشة. وقد رأيت تصديق ذلك في الفيلم الوثائقي “المعضلة الاجتماعية”the social dilemma، حيث نطق “صناع الصنم” بما كانوا يكتمون، واعترفوا بخطورة ما صنعت أيديهم.
حينها، أدركت أن القوم في غفلة، أو يتغافلون طلباً للذة عابرة، ولو كان ثمنها ضياع الهوية والبوصلة.
فعزمت عزمةً لا رجعة فيها، وقطعت كل حبال “التواصل” إلا حبلاً واحداً -الواتس آب- برراً بوالدتي وصلةً للرحم. ويممت وجهي شطر “التعمير” بعد “التدمير”؛ فانكببت على رياض المعرفة، أتعهدها بالسقيا والرعاية.
اتخذت من برنامج (Notion) سكرتيراً أميناً، ومستودعاً لأفكاري، ورغم وعورة بدايته إلا أنه نعم الرفيق لمن أراد تنظيم شتات عقله. وصادفت برنامج (Readwise) فكان نعم المعين على إحياء ما دُرس من فوائد الكتب، يبعثها لي من مرقدها كل يوم، لتظل حاضرة في الذهن، حية في الوجدان.
ثم عكفت على مدونتي، تلك التي هجرتها سنين عدداً، فأعدت إحياء مواتها، وبنيتها لبنة لبنة، متعلماً فنون البرمجة والتصميم، وحجز النطاقات، دون أن أستجدي عوناً من أحد، فكانت لذة الإنجاز أشهى من كل “إعجاب” زائف كنت أحصده سابقاً.
يا قوم.. أقولها لكم نصيحة مشفق، ووصية محب:
هذه الأجهزة خُدم، فلا تجعلوها سادة. امتطوا صهوتها لبلوغ مآربكم، ولا تتركوها تجمح بكم في أودية الضياع. الحياة ومضة، والأنفاس معدودة، ولديكم من أعباء الدين والدنيا ما هو أجلّ وأعظم من أن يُنثر هباءً على أرصفة “التواصل”.
ولله در الشاعر محمد أمين العمر حين صور هذا الحال، وكأنه ينطق بلسان حالي وحالكم:
هَل هَاتِفٌ بِيَدِي أَم خِنجَرٌ شُرِعَا *** لِقَطعِ ذِي رَحِمٍ أَو وَصلِ مَن قَطَعَا
أَم لُعبَةٌ سَرَقَت مِنَّا أَحِبَّتَنَا *** فِيهَا المُبَاحُ وَمَا أَلهَى وَمَا مُنِعَا
أَم عَارِضٌ بِعَمِيمِ الخَيرِ مُمطِرُنَا *** أَم فَاسِدٌ مُفسِدٌ مَا الدِّينُ قَد شَرَعَا
أَم سَاحِرٌ تَخطِفُ الأَلبَابَ خِفَّتُهُ *** أَم هُدهُدُ العَرشِ مِن بَلقِيسَ قَد سَمِعَا

From Blogger iPhone client

تعليقات

المشاركات الشائعة