الترجمة استعمارٌ ناعم: حين تُعيد اللغة تشكيل التفكير
تخيل أنك تقف في مكتبةٍ مزدحمة، تتصفّح كتابًا مترجمًا عن الإنجليزية، فتقرأ عبارةً تتحدّث عن تحرر الفرد من قيود الجماعة . تومئ برأسك موافقًا، ثم تمضي. لم تنتبِه إلى أن العبارة لم تنقل إليك معنىً فحسب، بل نقلت معها حمولة فكرية و افتراضًا كاملًا عن العلاقة بين الفرد والجماعة: عن كون الجماعة قيدًا لا حضنًا ، وعن كون التحرر منها مكسبًا لا خسارة . في تلك اللحظة الصامتة، حدث ما هو أعمق من القراءة: حدثت إعادة ترتيب خفيّة لطريقتك في رؤية الأشياء. هذا هو السؤال الذي كان يشغلني: هل الترجمة فعلٌ بريء ، أم أنها قناةٌ تتسلّل عبرها رؤى العالم ؟ ما الذي ينتقل حين ننقل الكلمة؟ ليست اللغة وعاءً للمعنى فحسب، بل هي طريقةٌ أيضًا في رؤية العالم . وكلما انتقل النص من لسان إلى لسان، انتقل معه شيء من منظومته الثقافيّة و حمولته الفكرية ، وانتقلت معه افتراضاته الخفيّة التي لا تظهر في المعنى المباشر. ولهذا يمكن النظر إلى الترجمة، حين تُدار خارج الوعي النقدي ، بوصفها نوعًا من الاستعمار الناعم : استعمار لا يكتفي ب...
تعليقات
إرسال تعليق