التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الترجمة استعمارٌ ناعم: حين تُعيد اللغة تشكيل التفكير

تخيل أنك تقف في مكتبةٍ مزدحمة، تتصفّح كتابًا مترجمًا عن الإنجليزية، فتقرأ عبارةً تتحدّث عن   تحرر الفرد من قيود الجماعة . تومئ برأسك موافقًا، ثم تمضي. لم تنتبِه إلى أن العبارة لم تنقل إليك معنىً فحسب، بل نقلت معها   حمولة فكرية   و افتراضًا كاملًا   عن العلاقة بين الفرد والجماعة: عن كون الجماعة   قيدًا لا حضنًا ، وعن كون التحرر منها   مكسبًا لا خسارة . في تلك اللحظة الصامتة، حدث ما هو أعمق من القراءة: حدثت   إعادة ترتيب خفيّة   لطريقتك في رؤية الأشياء. هذا هو السؤال الذي كان يشغلني: هل الترجمة   فعلٌ بريء ، أم أنها   قناةٌ تتسلّل عبرها رؤى العالم ؟ ما الذي ينتقل حين ننقل الكلمة؟ ليست اللغة وعاءً للمعنى فحسب، بل هي   طريقةٌ أيضًا في رؤية العالم . وكلما انتقل النص من لسان إلى لسان، انتقل معه شيء من منظومته الثقافيّة و حمولته الفكرية ، وانتقلت معه   افتراضاته الخفيّة   التي لا تظهر في المعنى المباشر. ولهذا يمكن النظر إلى الترجمة، حين تُدار خارج   الوعي النقدي ، بوصفها نوعًا من   الاستعمار الناعم : استعمار لا يكتفي ب...

بوح من الذكريات - الجزء الثالث: الذاكرة والزمن



طيفٌ لم يغب.. ورؤيا أيقظت الروح

**”لو أمطرت ذهباً من بعد ما ذهبا *** لا شيء يعدل في هذا الوجود أبا”**

لامني اللائمون، وعاتبني المحبون: “كتبتَ عن الجد والجدة، وعن المعلم والمدرسة، وغفلتَ عن الوالد!”. وما دروا أن المرء قد ينعقد لسانه عن بث شجونه حين يعظم الخطب، كما خرس يراع أمير الشعراء شوقي حين وفاة والده.

رحل أبي وأنا برعمٌ غضٌ لم أتجاوز الرابعة، وواراه الثرى في “حفر الباطن”، تلك المدينة التي عشقتها الروح ولم تطأها القدم؛ وكيف لا أحب ثرىً يضم جسداً يساوي عندي الدنيا بأسرها؟

ذكرياتٌ من خيوط الخيال

لم يسعفني القدر لأصنع معه ذكرياتٍ تملأ الذاكرة، فذاكرتي -سامحها الله- مثقوبة سريعة النسيان. ولكن.. كيف لا أتحدث عن رجلٍ كنتُ نطفةً في صلبه؟ وعن روحٍ كانت -بعد توفيق الله- سبباً في وجودي، بل وفي صلاح ديني ودنياي؟

نعم، لم أعش معه طويلاً، فنسجتُ له في خيالي حياةً موازية. سميتُ ابني على اسمه لأحيي ذكره في كل نداء: “يا أبا عاطف”. أتخيل طيفه يمر في ردهات منزلي، وأرى ملامحه في وجوه صغاري.

تتردد في أذني شهادات من عرفوه: “كان أطيب الناس قلباً، وألينهم عريكة، بشوش المحيا، صادق القسمات، فإذا انتهكت محارم الله تحول هزبراً لا يُقهر” .

ولا أنسى تعابير وجه جدتي لأمي -رحمها الله- وهي تقص عليّ خبر “القرطين الذهبيين” اللذين فاجأها بهما في إحدى الليالي بعد عودته من سفره، قائلاً: “أغمضي عينيك يا عمة”. كانت تبكيه، وما عهدنا الحماة تبكي صهرها إلا لنبلٍ استقر في سويداء قلبها .

العوض في البقية.. ورسالة من السماء

رحل هو، ولحقه أحبابه؛ عمتي رحمة، وعمتي مرعية، وعمي إبراهيم، كنت أستنشق فيهم عبيره، وأبرهم براً به قبل رحيلهم -رحمهم الله جميعاً-.

أعوام وصل كان ينسي طولها
‏ذكر النّوى، فكأنّها أيّام‌
‏ثمّ انبرت أيّام هجر أردفت‌
‏نحوي أسى، فكأنّها أعوام
‏ثمّ انقضت تلك السّنون و أهلها
‏فكأنّها و كأنّهم أحلام


ولم يبقَ من ريح يوسف إلا شقيقه، عمي معيض -حفظه الله وأطال عمره-. ذاك الجبل الذي حمل الأمانة، فكان لإخواني أباً، ولي ناصحاً ومعيناً. اقتطع من قوت عياله ليعينني في غربتي الجامعية، ووقف بجانبي يوم زفافي وقفة الرجال، فكان نعم الخلف لنعم السلف.

*علا عن المدح حتى ما يزان به *** كأنما المدح من مقداره يضعُ*

الرؤيا التي غيرت المجرى

قد تعجبون حين أقول إن أبي الميت هو سبب صلاحي الحي!
كنت غلاماً في ميعة الصبا، تتقاذفني أمواج المراهقة، فرأيتُ في المنام رؤيا زلزلت كياني:
رأيتُ والدي ممسكاً يدَ النبي ﷺ، فأقبلا عليّ، وقال لي أبي بصوت المشفق: “يا حسن.. متى تعقل؟ الله يصلحك!”.. ثم التفت إليّ الحبيب المصطفى ﷺ وابتسم تلك الابتسامة التي تضيء الكون وقال: “اسمع كلام والدك” .

استيقظتُ وجلدي يقشعر، وروحي تهفو. سألت أهل العلم فأكدوا لي أنها رؤيا حق، فالشيطان لا يتمثل به ﷺ. كانت تلك الكلمات نقطة تحول في حياتي. تمنيت لو كان حياً لأبشره: “لقد عقلت يا أبتِ.. لقد حفظت القرآن، وأكملت الدراسة، ورُزقت بالأبناء والبنات “.

*ولو أن هذا الموت يقبل فدية *** فديناه أموالاً كراماً وأنفسا*

اللهم ارحم من حُرمتُ نُصحه حياً، فأكرمني الله بنصحه ميتاً، واجمعني به وبالحبيب المصطفى في فردوسك الأعلى.

تعليقات

المشاركات الشائعة