التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الترجمة استعمارٌ ناعم: حين تُعيد اللغة تشكيل التفكير

تخيل أنك تقف في مكتبةٍ مزدحمة، تتصفّح كتابًا مترجمًا عن الإنجليزية، فتقرأ عبارةً تتحدّث عن   تحرر الفرد من قيود الجماعة . تومئ برأسك موافقًا، ثم تمضي. لم تنتبِه إلى أن العبارة لم تنقل إليك معنىً فحسب، بل نقلت معها   حمولة فكرية   و افتراضًا كاملًا   عن العلاقة بين الفرد والجماعة: عن كون الجماعة   قيدًا لا حضنًا ، وعن كون التحرر منها   مكسبًا لا خسارة . في تلك اللحظة الصامتة، حدث ما هو أعمق من القراءة: حدثت   إعادة ترتيب خفيّة   لطريقتك في رؤية الأشياء. هذا هو السؤال الذي كان يشغلني: هل الترجمة   فعلٌ بريء ، أم أنها   قناةٌ تتسلّل عبرها رؤى العالم ؟ ما الذي ينتقل حين ننقل الكلمة؟ ليست اللغة وعاءً للمعنى فحسب، بل هي   طريقةٌ أيضًا في رؤية العالم . وكلما انتقل النص من لسان إلى لسان، انتقل معه شيء من منظومته الثقافيّة و حمولته الفكرية ، وانتقلت معه   افتراضاته الخفيّة   التي لا تظهر في المعنى المباشر. ولهذا يمكن النظر إلى الترجمة، حين تُدار خارج   الوعي النقدي ، بوصفها نوعًا من   الاستعمار الناعم : استعمار لا يكتفي ب...

التوكل على الله وعناية الله بالعبد: قصة تأمّل



كنتُ أقلّب صفحات كتاب “البيان والتحصيل” لأبي الوليد ابن رشد -ذاك السفر الذي شرح فيه وعلّل ووجّه مسائل كتاب المستخرجة المعروف بالمسائل العتبية لمحمد العتبي من كتب الفقه المالكي- فإذا بي أقع على قصة أوقفتني طويلاً، وشدتني إلى عمق معناها .

حين جمع القدر بين أرملة وخليفة

يروي مالك -رحمه الله- عن يزيد بن رومان، أن عمر بن الخطاب خرج يوماً إلى خيبر، فاستظل بشجرة في القائلة، وأخذه النوم. وبينما هو غارق في غفوته، إذ دنت منه امرأة من العرب فمست قدمه برفق لتوقظه .

فتح عينيه وقال بلطف الأب الحاني: “ما لك؟ ما حاجتك يا أمة الله؟”

فقالت المرأة بصوت يحمل ألم الأرامل وحاجة اليتامى: “توسمتُ فيك الخير.. وإن أمير المؤمنين بعث إلينا العام الماضي محمد بن مسلمة ساعياً، وأمره أن يأخذ من أغنيائنا ويرد على فقرائنا، فجاءنا فلم يعطنا شيئاً. وأنا امرأة مؤتمة (أرملة)، وبلغني أنه باعثه إلينا هذا العام، فأحب أن تمشي معي إليه لتوصيه وتكلمه لي، عسى أن يعطيني” .

فقال عمر لخادمه: “يا يرقا، اذهب فادع لي محمد بن مسلمة”.

فقالت المرأة مستدركة: “إني لم أرد هذا! إنما أردت أن تذهب معي إليه”.

فقال عمر بحكمة: “إن لم يأتنا جئناه” .

فلما جاء محمد بن مسلمة، سلّم قائلاً: “السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله”. فلما سمعت المرأة ذلك، استحيت وجمعت عليها ثيابها! لقد كانت تشتكي أمير المؤمنين إلى أمير المؤمنين دون أن تعلم!

ثم بدأ عمر محاسبته بأسلوب الحاكم الذي يعرف ثقل الأمانة: “هل تدري كيف كنا قبل الإسلام؟ إنا كنا أكلة رأس والعرب أعداؤنا من كل ناحية. بعثتك مصدقاً على هؤلاء، وأمرتك أن تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فلم تعط هذه المرأة شيئاً!”

فاعتذر محمد قائلاً: “يا أمير المؤمنين، ما تعمدت تركها، ولكن عسى أن أكون أخطأتها أو لم تأتنا” .

فقال عمر: “إن بعثتك إليهم هذا العام، فأعطها للعام الماضي وللعام الحالي”. ثم قال للمرأة: “الحقي بخيبر، آمر لك” .

سبحان الله! أرأيتم التوفيق؟

سبحان الله الذي وفّق عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، وساق خطاه حتى جعله يقيل تحت شجرة بعينها، في لحظة بعينها، حتى تأتي امرأة يلطف الله بها فتتوسم فيه الخير، فتشتكي له دون أن تعلم أنه هو المشتكى منه!

هذا هو التوفيق الإلهي الذي نسمع عنه، وربما يحصل لأحدنا ولكننا لا نشعر به .

قال تعالى: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

قال الإمام السمعاني: “التوفيق من الله هو التسهيل والتيسير والمعونة” .

ولنعلم أن التوفيق محض منّة من الله، فرجاؤه وحصوله مقصور عليه سبحانه. وكما قال الشاعر:

**إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى *** فأول ما يجني عليه اجتهاده**

استمداد العون من الله

فكما أن العبد مطالب بالسعي والاجتهاد، فعليه أن يستمد العون من ربه، وأن يعلم أنه لا يقدر على ذلك إلا هو. فيسأله توفيقه مسألة المضطر، ويعوذ به من خذلانه عياذ الملهوف .

وبهذا جاء التوجيه النبوي الكريم في سنن أبي داود: «اللَّهُمَّ رحمتَك أرجو، فلا تَكِلْني إلى نفسي طَرْفَةَ عين، وأَصلِح لي شَأني كلَّه، لا إله إلا أنتَ» .

لاحظوا كيف يُعلن العبد عجزه، وأن نفسه لا تقدر على قضاء حوائجه، فيقول بلسان الافتقار: “أنا لا أتوجه طالباً الرحمة من أحد سواك، فلا تكلني إذن إلى نفسي طرفة عين فأضيع” .

أسرار التوفيق في حياتنا

ربما رأيت قارئاً نهماً يلتهم الكتب التهاماً، إلا أنه لا ورد له من كتاب الله، بينما ترى كبيراً احدودب ظهره لكنه لا يدع ورده من القرآن حتى في سفره. فههنا سر التوفيق من الله .

وربما مرّ بك أن أحدهم سهر الليل ثم فتح عينه على صوت أذان الفجر، بينما الآخر ينام ساعات كثيرة ثم يجمع الصلوات. فههنا سر التوفيق من الله .

وربما رأيت إنساناً هو في ميزان البشر من عباقرة الدنيا، إلا أنه يعبد حجراً أو شجراً، بينما تلك العجوز في جنوب المملكة تبدأ يومها بـ: “لا إله إلا الله محمداً رسول الله، أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله”فههنا سر التوفيق من الله .

اللهم اجعلنا ممن وفقتهم وتوفقهم لسداد القول والعمل يا رب


From Blogger iPhone client

تعليقات

المشاركات الشائعة