مميزة
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
بوح من الذكريات - الجزء الثاني: لحظات لا تُنسى
حينَ كان المعلمُ أباً.. والقريةُ مدرسة
ويبقى شيءٌ من عبق الماضي عالقاً بأرواحنا، عصياً على يد النسيان أن تطاله، وكأنه نقشٌ في حجر الذاكرة لا يمحوه كرور الأيام.
تفتحت عيناي على الدنيا في حضن قرية صغيرة، وسط جيلٍ ذهبي -جيل الثمانينات والتسعينات- ذاك الجيل الذي عُجن طينُه بالكفاح والبساطة. كنا نعيش يومنا مقسوماً بين طلب العلم في النهار، وبين رعي الماشية وركض الطفولة خلف كرة القدم في المساء .
كان الزمان يضبط إيقاعه على دقات قلوب أجدادنا؛ العشاء بعد صلاة المغرب في بيت جدي، ثم يأوي الجميع إلى الفراش مبكرين. وما أدراك ما فراش السطح؟ تلك “الفنادق المفتوحة” التي نلتحف فيها السماء، وأتأمل النجوم حتى يسرقني النوم، فلا أستيقظ إلا على “سيمفونية الفجر”: صياح الديكة، وهسيس أقدام جدي وجدتي وهما يتوضآن للصلاة .
رحلة الشاص.. ومدرسة بدر
كنا نمتطي صهوة “الشاص” في طريقنا إلى “مدرسة بدر الابتدائية” بالمجاردة. كانت رحلة لا تخلو من الشقاوة، حيث نتسابق للظفر بالمقعد المجاور للباب الخلفي، لنطل على الدنيا وهي تركض وراءنا، وسط صيحات الضحك البريء .
صبحي بن ثالبة.. المعلم الذي سبق عصره
وفي تلك المدرسة، وبين ثلة من المعلمين الأفاضل، برز اسمٌ حفر في قلبي أخاديد من الحب لا تندمل: الأستاذ صبحي بن ثالبة.
دخلتُ فصلي (أول ابتدائي ب) عام 1413هـ، طفلاً يتيماً يخلط الفرح بالوجل، فدهشتُ مما رأيت: جهازٌ غريب في الزاوية (كمبيوتر مكتبي)، وسبورة بيضاء إلكترونية بجوار سبورة الطباشير! تقنية سابقة لزمانها في قرية بسيطة!
قطع سرحاني صوته الدافئ وهو يقول: “اجلس يا ولدي”. ثم أردف بكلمات نزلت برداً وسلاماً على قلبي: “السلام عليكم.. أنا أبوكم وأستاذكم الأستاذ صبحي”.
“أبوكم”..؟ يا الله! كيف استقرت هذه الكلمة في قلب اليتيم قبل أذنه!
كان معلماً استثنائياً، سخر كل السبل لتعليمنا، فكان يضغط زراً بجوار المروحة لتضيء الشاشة بحرف أو كلمة، في زمنٍ كان الناس فيه يجهلون أبجديات التقنية . علمني القراءة والكتابة والحساب، والأهم من ذلك: علمني أن المعلم “أبٌ” قبل أن يكون ملقناً. كان يدخل علينا بأناقته المعهودة، وعطره الذي يسبق خطوه، فنشم عبق حضوره قبل أن نراه .
أكتب هذا وأنا موقن أنه قد نسي ذاك الطفل الصغير، لكن الطفل لم ينسَ. فيا معشر المعلمين: أنتم تغرسون في أرض بكر، فاتقوا الله في الغراس، فإن أثره ممتد لا يموت.
شغف القراءة.. والوفاء لأهل الفضل
ومن فرط حبي لما تعلمته، صرت أقرأ كل ما تقع عليه عيني: علبة بيبسي، كيس صابون، قارورة زيت.. لم أكن أعلم حينها أن في الدنيا كتباً غير المقررات المدرسية!
ولا يهضم حبي للأستاذ صبحي حق بقية الكوكبة المنيرة؛ المدير الحازم غازي بن حمزة، والمربي الفاضل علي بن عبدالرحمن سردة، وأستاذ الأرقام محمد بهلول، وصاحب الريشة والبسمة الأستاذ عبدالله صيدان -رحمه الله-، وروح المدرسة الرياضية الأستاذ علي ناصر، ومعلم الدين الأستاذ حسن محمد.. وغيرهم ممن غابت أسماؤهم وبقيت آثارهم .
وكما قال الشاعر بكر موسى هارون:
ارْجِعْ زَمَانَ الأَمْسِ مِنْ صَفَحَاتِي***مَا أَجْمَلَ الأَيَّامَ بَعْدَ فَوَاتِ
ذِكْرَى يَعُودُ إِلَى الفُؤَادِ حَنِينُهَا***دَوْمًا إِذَا ذَاقَ الفُؤَادُ أَسَاتِي
دَعْنِي أُمَتِّعُ بِالتَّذَكُّرِ خَطْرَتِي***وَعَلَى الطُّلُولِ أُمَتِّعُ النَّظَرَاتِ
مَا زِلْتُ أَذْكُرُ هَاهُنَا خَطَوَاتُنَا***وَعَلَى الرِّمَالِ وَنَقْذِفُ الحَصَوَاتِ
زَمَنٌ تَوَلَّى مِنْ رَبِيعِ حَيَاتِنَا***فِي ظِلِّهِ مَا أَجْمَلَ الأَوْقَاتِ
نَلْهُو وَنَمْرَحُ وَالسَّعَادَةُ عِنْدَنَا***مَا أَصْدَقَ البَسَمَاتِ وَالضَّحَكَاتِ
إِنِّي لأَذْكُرُ تِلْكَ أَحلَى لَحْظَةٍ***زَمَنَ الطُّفُولَةِ ذَاكَ زَهْرُ حَيَاتِي
أَتَذَكَّرُ الأَصْحَابَ حِينَ يَضُمُّنَا***لَعِبٌ عَلَى سَاحٍ مِنَ السَّاحَاتِ
نَجْرِي وَنَجْرِي لَيْسَ نَدْرِي أَنَّهَا***تَجْرِي بِنَا الأَعْمَارُ فِي السَّاعَاتِ
وَنُلاَعِبَ المَطَرَ الخَفَيفَ إِذَا أَتَى***وَعَلَى اليَدَينِ تَسَاقُطُ القَطَرَاتِ
وَنَمُدُّ طَرَفًا لِلسَّمَاءِ كَأَنَّنَا***نَدْعُو الإِلَهَ تَزَايدَ الْخَيْرَاتِ
وَيَطِلُّ بَدْرٌ فِي سَمَانَا نَاظِرٌ***وَكَأَنَّنَا نُدْنِيهِ بِالقَفْزَاتِ
وَنُرَدِّدُ الإِنْشَادَ صَوْتًا وَاحِدًا***وَنُسَمِّعُ الصَّيْحَاتِ وَالصَّرْخَاتِ
جَمْعٌ تَآلَفَ لَيْسَ يَعْرفُ مَا الجَفَا***وَقُلُوبُنَا تَخْلُوا مِنَ الشَّحْنَاتِ
نَبْكِي وَنَضْحَكُ تِلْكَ حَالُ طُفُولَةٍ***وَنُصَدِّقَ الأَفْعَالَ وَالكَلِمَاتِ
رحم الله من مضى، وحفظ من بقي، وسلامٌ على تلك الأيام الخوالي
المشاركات الشائعة
التوكل على الله وعناية الله بالعبد: قصة تأمّل
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
رثاء وداعاً زاهر: مرارة الفقد ووجع الفراق
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى

تعليقات
إرسال تعليق