مميزة
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
الأربعين وما بعدها: كيف تتغير نظرتنا إلى الحياة؟
حين يقترب الإنسان من الأربعين، لا يعود الزمن عنده مجرد أرقام تتناقص في تقويم الأيام، بل يصير مرآة صافية يرى فيها ما مضى، وما بقي، وما ينبغي أن يكون. هناك، عند هذه العتبة المهيبة، يبدأ القلب في التخفف من أوهام كثيرة، وتبدأ الروح في إعادة ترتيب أولوياتها، ويغدو السؤال الأهم ليس: ماذا جمعت من الدنيا؟ بل: ماذا ادخرت للدار الباقية؟ ولعل في هذه المرحلة من العمر معنى خاصا يوقظ البصيرة، ويمنح الإنسان فرصة نادرة لأن يعيد قراءة نفسه، وقراءة علاقاته، وقراءة عمله، وقراءته لدنياه كلها بعين أكثر هدوءا، وأكثر صدقا، وأكثر استعدادا لما بعد هذه الرحلة القصيرة.
في بدايات العمر، نلتفت إلى ما فاتنا بلهفة مؤلمة. نتحسر على أبواب أغلقت، ونحسب أن الفرص الضائعة هي ختام الحكاية، حتى إذا بلغنا الحادية والأربعين أدركنا أن بعض تلك الأبواب لم يكن إغلاقها حرمانا، بل حماية. وما فاتنا لم يكن لنا في الأصل، ولو أظلنا برده الظاهر. هنا تتبدل النظرة إلى الخسارة، فنفهم أن من رحمة الله بالعبد أن يردّه -أحيانا- عن بعض ما يشتهي، وأن ما قدر الله أن يتأخر أو يغيب ربما كان في غيابه عافية للروح وحكمة لا تدركها العين في حينها. ولذلك فإن نصيحتي للشباب هي ألا يستهلكوا أرواحهم في مطاردة ما أفلت من أيديهم، فالحياة لا تقف عند باب واحد، والنجاح ليس في اللحاق بكل قطار، بل في معرفة القطار الذي كتب الله لك أن تركبه، والوجهة التي أعدت لك في علمه وحكمته.
ومع مرور الأيام، يتعلم الإنسان أيضا أن العلاقات ليست عددا، وأن الزحام ليس دائما علامة صحة. في الشباب نظن أن كثرة الأسماء في هواتفنا، وكثرة الوجوه التي نلتقيها، وكثرة المجاملات التي تدور حولنا، هي دليل حضورنا في العالم. ثم نكبر قليلا، فنكتشف أن القلب لا يطمئن بالكثرة، وإنما يأنس بالصدق. عندها تضيق الدوائر من حولنا، لكنها تضيق نحو المعنى لا نحو العزلة، ونبدأ في البحث عن من يشاركنا الصمت قبل الكلام، ويفهمنا قبل أن نشرح، ويؤازرنا قبل أن يعلق. وهنا تأتي نصيحة الشباب واضحة جلية: لا تجعلوا معياركم في الصداقة هو كثرة الرفاق، بل صدق الرفيق. فكم من آلاف المعارف لا يساوون صديقا واحدا إذا ضاقت بك الأيام؟ وكم من رفيق واحد يساوي في طمأنينة النفس ما لا يساويه جمع من الناس؟
ومن علامات النضج أيضا أن الإنسان يهدأ صوته الداخلي شيئا فشيئا. ففي مقتبل العمر، يحاول أن يثبت حضوره في كل نقاش، وأن يرد على كل رأي، وأن ينتصر في كل معركة، وكأن قيمة المرء تقاس بقدر ما يعلو صوته. أما مع التقدم في السن، فيكتشف أن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام، وأن السكينة أثمن من الغلبة، وأن الكلمة إذا خرجت لا تعود، وأن المرء قد يربح جدالا ويخسر نفسه. لذلك يصبح الصمت أداة معرفة، لا علامة عجز؛ يصبح تأنيا في الفهم، ومهلة في الحكم، ونضجا في تلقي الدنيا. -هذا شبيه بماذكره ابن المقفع في كتابه الماتع الأدب الصغير والأدب الكبير- ، ومن هنا أوصي الشباب ألا يستعجلوا تصدر المجالس، ولا المجاهرة بكل ما يخطر في البال، ولا الوقوف في كل ساحة قبل أن تكتمل أدواتهم. فالأذن التي تسمع، والعين التي تقرأ، والقلب الذي يتأمل، هي مفاتيح التكوين الصحيح. أما من استعجل الكلام قبل العلم، فقد بنى صوته على فراغ.
ومن التجارب التي لا يثمرها العمر إلا بعد احتكاك طويل، أن السكينة أغلى من الانتصار. في سنوات الاندفاع، نتصور أن الفوز في كل نقاش، والانتصار في كل موقعة فكرية، وإثبات الصواب في كل مناسبة، هو ذروة الحكمة. لكن بعد مسافة من الحياة ندرك أن كثيرا من المعارك وهم، وأن الجدال المستمر يستهلك القلب والعقل معا، وأن الانتصار الحقيقي قد يكون في ترك ما لا ينفع، وفي تجاوز ما لا يستحق الوقوف عنده. لذا فإن النصيحة للشباب أن يوفروا طاقتهم لمعارك البناء، لا معارك الاستعراض. فالهدوء المعرفي، والاشتغال بما ينفع، أعمق أثرا من الانفعال السريع، وأكثر بركة من كثرة التراشق في ساحات لا تثمر إلا التعب وضياع العمر.
ومثل ذلك يقال في الرضا بالأشياء البسيطة والصغيرة. ففي البدايات نربط السعادة بالمحطات الكبرى وحدها، نظن أن الفرح لا يكون إلا في الإنجاز الباهر، أو السفر البعيد، أو المناسبة النادرة. ثم تكشف الحياة ببطء أن كثيرا من السعادة يسكن في الأشياء الصغيرة: جلسة هادئة مع الأسرة، قهوة في ساعة صفاء، كتاب يمس القلب، أو لحظة صمت نادرة مع النفس. الحياة ليست سلسلة من الاستثناءات، بل هي نسيج من الأيام العادية، فإن لم نتعلم كيف نحبها، فإن العمر سيمضي منا ونحن ننتظر ما لا يأتي. لهذا على الشباب أن يتعلموا فن الفرح ببسيط الأشياء، وأن يكتشفوا أن القناعة لا تعني ترك الطموح، بل تعني أن لا يسرق الطموح منهم متعة ما بين أيديهم.
وفي مقام العمل، يغتر كثيرون بالوظيفة حتى يظنوا أنها هويتهم كلها. ينسون أن المنصب عابر، وأن المؤسسة لا تتوقف عند غياب أحد، وأن الجسد والعائلة هما اللذان يدفعان ثمن الإفراط. ومع الأربعين يتضح هذا المعنى وضوح الشمس: الوظيفة وسيلة للعيش، لا غاية الوجود. لذلك فوصيتي للشباب أن يؤدوا أعمالهم بإتقان، وأن يحسنوا في وظائفهم، ولكن ألا يبيعوا أرواحهم في سبيل مسمى وظيفي أو ترقية أو لقب. ابنوا لأنفسكم حياة أوسع من المكتب، ومشروعا إنسانيا ينجو بكم من اختزال ذواتكم في سطر على بطاقة تعريف.
وأشد ما يختبر نضج الإنسان هو نظرته إلى الأسرة. في الشباب نؤجل البيت كثيرا، ونؤخر العناية به، ونظن أن المستقبل الحقيقي يقع خارج الجدران. لكن التجربة تكشف أن البيت هو الوطن الآمن حين تضيق الدنيا، وأن الأسرة هي الحصن الذي ينجو فيه القلب من تشظي العالم.ابتسامة أم، وضحكة طفل، ورضا زوجة، وهدوء جلسة عائلية، قد تساوي في ميزان الطمأنينة ما لا تساويه شهرة ولا ضجيج. لذلك لا تؤجلوا رعاية بيوتكم يا شباب، ولا تجعلوا أبناءكم يحصلون على بقايا طاقتكم. فالأيام لا تعود، والذكريات لا تستنسخ، وما تبنونه في البيت اليوم سيكون ملاذكم غدا حين تخفت الأضواء.
ثم إن الجسد نفسه، ذلك الوعاء الذي نحمل فيه أرواحنا، يبدأ بالتكلم بلسان آخر . ما كان يحتمل في الشباب يبدأ في طلب الرفق، وما كان يستهان به يبدأ في إعلان الحاجة إلى العناية. وهنا تتبدل علاقتنا بالصحة، فنعرف أنها ليست رفاهية، بل نعمة كبرى، وأن العافية ليست شيئا مضمونا إلى الأبد. لذا فالشباب بحاجة إلى فهم مبكر لهذه الحقيقة: ما تزرعونه اليوم من عادات صحية، وما تبنونه من توازن في الطعام والنوم والحركة، ستجدون أثره بعد أعوام. فلا تنخدعوا بوهج الطاقة العابرة، فالجسد أمانة، وحفظه جزء من حفظ النفس التي كلفنا الله بحسن رعايتها.
يبلغ الإنسان في مرحلة الأربعين وما بعدها يقينا أعمق بالدنيا والآخرة معا. فالدنيا مهما تزينت لا تزال دار عبور، والآخرة مهما غفل عنها الناس هي دار القرار. إن الطمأنينة الحقيقية لا تأتي من شهادة، ولا من منصب، ولا من تصفيق الناس، وإنما تأتي من قلب يعرف ربه، ويتصل بكتابه، ويستأنس بالقرب منه. وكل ما سوى ذلك زينة عابرة قد تبهت في أول اختبار.
وأذكر هنا موقفا شخصيا ظل محفورا في ذاكرتي. كنت في مجلس يضم عددا من الشباب، فإذا بأحدهم يتحدث بثقة كبيرة عن الدنيا، ويعرض أحلاما واسعة، وكأن العمر أمامه ممتد بلا حدود. لم أقل شيئا حينها، غير أنني بعد أيام قليلة وجدت نفسي أراجع تلك اللحظة وأنا أقف عند خبر فقدان قريب لي كان في مثل تلك المرحلة العمرية، قد امتلأ بالحركة والطموح، ثم باغتته المنية على حين غرة. عندها شعرت بوضوح أن ما بين الحلم والرحيل خيط رفيع جدا، وأن الشباب مهما اتسعت آماله فإنه لا يملك ضمان الغد. ومنذ ذلك الموقف، صرت أكثر يقينا بأن العبرة ليست في طول الأمل، بل في جودة الزاد، وأن الإنسان إذا لم يجعل من كل يوم فرصة للطاعة واليقظة، فقد يربحه الناس حاضرا ويخسر نفسه غدا. هذا الموقف، على بساطته، أعاد إلي معنى التهيؤ المبكر للآخرة، وجعلني أرى الأربعين وما بعدها لا بوصفها زمنا للراحة، بل زمنا للمراجعة الجادة.
ثم تأتي لحظة أخيرة، أو قل لحظة يقظة، حين يبتعد الإنسان قليلا عن زحام الدنيا، فيرى نفسه كما هي: مسافرا إلى ربه، محمولا على أيامه، وسيغادر ما أحب وما كره. هنا يصبح الحديث عن الأربعين وما فوقها حديث تهيؤ لا حديث ترف. إنها مرحلة لم الشعث، وجمع ما تفرق من القلب والعمر، والاستعداد للرحيل الأكبر. فما الذي ينفع عندها؟ والجواب معروف لكننا ننساه أو نتناساه قرآن بتدبر، واستغفار صادق، وقيام ليل، وخبيئة عمل صالح، وتخفف من صراعات الدنيا الزائلة، والتزود بشتى الطاعات. هذا هو الزاد الحقيقي، وهذا هو الطريق الذي ينبغي أن يتهيأ له من بلغ الأربعين فما فوق.
فيا من بلغت هذه العتبة، ويا من تراها من بعيد، اجعلوا أعماركم مسيرا نحو الله لا سباقا على الدنيا، واجعلوا قلوبكم أوعية للمعنى لا مخازن للضجيج، واعلموا أن أكرم ما يتركه الإنسان بعده ليس مالا ولا لقبا، بل أثرا صالحا وهمة مستقيمة وقلبا عارفا بربه. ومن فهم هذا باكرا، خف حمله، وازداد نوره، وصار أكثر استعدادا لليوم الذي تنتهي فيه الرحلة، وتبدأ الحقيقة.
المشاركات الشائعة
التوكل على الله وعناية الله بالعبد: قصة تأمّل
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
رثاء وداعاً زاهر: مرارة الفقد ووجع الفراق
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى

تعليقات
إرسال تعليق