التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الملعب ليس مستويًا: المركزية الأوروبية في عالم الرياضة

مدخل حين يرفع لاعب الكأسَ في ملعب أوروبي، يُصفَّق له العالم. وحين يرفعها في مكان آخر، يبحث العالم عمّن يمنحه الاعتراف. هذا الفارق البسيط في نظرة الناس هو مدخلنا إلى سؤال أعمق: من يملك في الرياضة سلطة تعريف القيمة؟ حين يتأمل الباحث عالم الرياضة الحديثة لا يلبث أن يكتشف أن الأمر لا يتعلق بالموهبة وحدها، ولا بالعمل والإنجاز فقط، بل يتصل أيضًا بمن يملك سلطة التعريف، ومن يوزع الاعتراف، ومن يضع المعايير التي يصير الناس بعدها إلى مركز وهامش. فالرياضة العالمية، في صورتها المؤسسية والإعلامية، نشأت داخل فضاء غربي مهيمن، ثم تمددت إلى العالم كله وهي تحمل معها كثيرًا من تصورات هذا الفضاء عن القوة والتفوق والجدارة. ومن هنا لم يعد التحيز الغربي في الرياضة حادثة عابرة، ولا زلة خطابية معزولة، بل صار بنية تتكرر في الجوائز والبطولات والتغطيات والتصورات الذهنية. المشكلة لا تكمن فقط في أن أوروبا متقدمة تنظيميًا وماليًا، فهذا جزء من المشهد لا كله، بل في أن هذا التقدم يتحول في الخطاب السائد إلى دليل ضمني على أحقية أوروبا وحدها بقيادة المعنى الرياضي العالمي، وكأن بقية الأمم لا تدخل ساحة التقدير إلا بعد أن تنا...

بوح من الذكريات - الجزء الأول: ذكريات الطفولة والصبا


-


أيادٍ بيضاء.. ورجالٌ صنعوا رجلاً

كنتُ طفلاً غضاً لم أتجاوز الربيع الرابع من عمري، حين انتزع القدر من يدي الصغيرة يد والدي الحانية . رحل -رحمه الله- في حادث سير مروع وهو في طريقه للمشاركة في حرب الخليج، فانطوت صفحة الطفولة بأبيها، وانفتحت صفحة أخرى كُتب فيها بمداد الرحمة أسماء رجال ونساء صنعوا مني ما أنا عليه اليوم .

في كنف الجد الصالح

احتضنني جدي الصالح علي بن محمد -المشهور بابن فوفه رحمه الله-، وجدتي الحنون -أمي الثانية رحمها الله- فكانا لي أباً وأماً . كان جدي مؤذناً، وكانت حياته قرآناً يُتلى، لا بلسانه فحسب، بل بأفعاله قبل أقواله. ووالله الذي لا إله غيره، مذ وعيت ونضج إدراكي لم أذكر أنه نهرني أو رفع يده عليّ، بل كان يربي بالقدوة الصامتة التي تنفذ إلى القلب دون ضجيج . وقد كان والده -كما أخبرني كبار السن- فارساً تهابه الرجال، فورث الجد من أبيه الشجاعة، وزاد عليها الحلم والرحمة .

ولكن كما قال الشاعر:

مرت سنين بالوصال وبالهنا .. فكأنها من سعدها أيام
ثم انثنت أيام هجر بعدها .. فكأنها من طولها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها .. فكأننا وكأنهم أحلام

الأم.. ذاك الجبل الراسخ

أما أمي الصابرة المحتسبة -حفظها الله ومتعها بالصحة والعافية- فقد كانت نعم الأم؛ صبرت على تربيتي وإخواني، وحملت أعباء الحياة بكل شجاعة . ورغم أميتها -لا حرمها الله الأجر- إلا أنها كانت حريصة على حفظي للقرآن، وعلى تفوقي في الدراسة، بل وعلى إكمال دراستي الجامعية رغم ظروف الأسرة المعيشية البسيطة .

ولا تزال حتى هذه اللحظة -وأنا أب لأربعة أطفال قد جاوزت الخامسة والثلاثين- تكلمني وكأني ذاك الطفل الذي فقد أباه، فتلك هي الأمومة؛ مهما شاب الابن وشاخ، فهو في عينها طفل .

رجلٌ آخر.. لم يكن أباً وكان كالأب

وعشت أيضاً في كنف زوج أمي، العم محمد -حفظه الله وشفاه وعافاه- ذاك الرجل الطيب النقي الذي والله ما رأيت منه إلا كل خير . لم يفرق بيني وبين إخواني من أمي، بل كان يقدمنا عليهم في المعاملة. ومن المواقف التي نُقشت في ذاكرتي بحروف من نور، أنه كان لا ينزل على مائدة الطعام حتى يأكل كل من في البيت، فإن بقي شيء أكل، وإلا صبر وطوى بطنه . يا لها من نفس أبية، ويا له من كرم نادر!

الخال.. ذاك الأب الثالث

ثم انتقلت لأعيش عند خالتي -أمي الثالثة حفظها الله- تلك المرأة الصالحة العابدة، وزوجها الخال زهير -رحمه الله رحمة واسعة- الرجل الطيب النقي الذي رباني مع أبنائه كأني واحد منهم .

وبلغ كرمه ونبله أنه زوجني ابنته وأنا لا أزال طالباً في الجامعة، فرضي بي على حالي، بل ودافع عني عند أهله . فأخذت على نفسي عهداً ألا أخيب ظنه، وأن أكون عند حسن ظنه بي، وأرجو الله أن أكون قد وفيت ولو جزءاً يسيراً من أفضاله .

الزوجة.. رفيقة الدرب وسكن الروح

أما زوجتي، أم أطفالي، ورفيقة دربي، تلك المرأة الصالحة العاقلة، فلو كتبت أسفاراً في ذكر أفضالها لما أوفيتها حقها . كيف لا، وهي التي تزوجتني طالباً معدماً، فصبرت ووقفت بجانبي برأيها ومالها، وأعانتني على سداد كثير من التزاماتي .

ثم صبرت على بعدي عنها، وعلى وحدتها، رغم انشغالها بالتعليم -فهي معلمة- وتحملت مشقة تربية أطفالي بمفردها، فأحسنت تربيتهم حتى أصبح بعض الناس يضرب بهم المثل، وينسبون الفضل لوالدهم، بينما الفضل -والله- لله أولاً، ثم لأمهم، جزاها الله عني وعنهم خير الجزاء .


هذه قصتي.. قصة رجل صنعته أيادٍ بيضاء، ورجال ونساء أفذاذ. فاللهم اجزهم عني خير الجزاء.

تعليقات

المشاركات الشائعة