التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الترجمة استعمارٌ ناعم: حين تُعيد اللغة تشكيل التفكير

تخيل أنك تقف في مكتبةٍ مزدحمة، تتصفّح كتابًا مترجمًا عن الإنجليزية، فتقرأ عبارةً تتحدّث عن   تحرر الفرد من قيود الجماعة . تومئ برأسك موافقًا، ثم تمضي. لم تنتبِه إلى أن العبارة لم تنقل إليك معنىً فحسب، بل نقلت معها   حمولة فكرية   و افتراضًا كاملًا   عن العلاقة بين الفرد والجماعة: عن كون الجماعة   قيدًا لا حضنًا ، وعن كون التحرر منها   مكسبًا لا خسارة . في تلك اللحظة الصامتة، حدث ما هو أعمق من القراءة: حدثت   إعادة ترتيب خفيّة   لطريقتك في رؤية الأشياء. هذا هو السؤال الذي كان يشغلني: هل الترجمة   فعلٌ بريء ، أم أنها   قناةٌ تتسلّل عبرها رؤى العالم ؟ ما الذي ينتقل حين ننقل الكلمة؟ ليست اللغة وعاءً للمعنى فحسب، بل هي   طريقةٌ أيضًا في رؤية العالم . وكلما انتقل النص من لسان إلى لسان، انتقل معه شيء من منظومته الثقافيّة و حمولته الفكرية ، وانتقلت معه   افتراضاته الخفيّة   التي لا تظهر في المعنى المباشر. ولهذا يمكن النظر إلى الترجمة، حين تُدار خارج   الوعي النقدي ، بوصفها نوعًا من   الاستعمار الناعم : استعمار لا يكتفي ب...

مبدأ الأنسب لا الأفضل: حكمة عملية في اتخاذ القرار



الحمد لله الذي جعل الوقت وعاءً، والعمر رأسمالاً، وبعد:

في غمرة هذه الحياة المتسارعة، حيث تتزاحم الالتزامات، وتتكاثر الشواغل، بات لزاماً على المسلم أن يكون سيد وقته لا عبده، وأن يرتب أولوياته ترتيباً حكيماً يستوعب المستجدات ويستعد للطوارئ .

وما أجمل أن نستحضر قول المصطفى ﷺ وهو يكشف عن غفلة كثير من الناس: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) . فكم من صحيح مضى عمره هدراً، وكم من فارغ أضاع ساعاته سدى!

ويزيد المعنى وضوحاً قول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة) . فالبطالة عن الخيرين كليهما ذلٌّ وخسران.

ضجيجُ الإنتاجية.. وفتنةُ الأدوات

في زماننا هذا، تعالت الأصوات في برامج التواصل بالحديث عن “الإنتاجية”، وهذا -في أصله- أمر محمود يدل على يقظة جزئية، وحرص ولو كان متواضعاً . وتسمع الناس يتحدثون بحماس عن دفاتر ملونة، وأقلام فاخرة، وبرامج ذكية كـ (Notion)، يصفونها وكأنها مفاتيح الجنان، أو سبيل النجاح المضمون .

ولا شك أن الهدف المكتوب -كما يقرر علماء الإدارة- أقرب للتحقيق من الهدف الذي يسبح في خيال صاحبه دون تقييد .

لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن بعض الناس -حين يسمع عن هذه البرامج المتقدمة، ويشاهد الفيديوهات المبهرة عن قدراتها- ينبهر انبهاراً يُعمي البصيرة، فينسى أنه كان يؤدي مهامه بكفاءة تامة بقلمه البسيط ومفكرته الورقية!

فيهجر ما يُتقنه طمعاً فيما يبهره، ويغوص في متاهات التعلم، فإذا به تمر عليه الأيام وهو تائه، لا هو الذي أتقن الأداة الجديدة وسخّرها لخدمة أهدافه، ولا هو الذي عاد إلى قلمه ومفكرته ليكمل ما بدأه . وتتحول الأداة من كونها وسيلة إلى غاية في حد ذاتها، فيضيع المقصد في زحمة الوسائل!

القاعدةُ الذهبية

ولذا، اجعل هذه القاعدة نصب عينيك، وعَضَّ عليها بالنواجذ:

ليس كلُّ ما كان أكثر تقدماً هو الأنفع والأنسب. فاختر لنفسك الأنسب الذي يساعدك في مهامك بأقل جهد، ودع عنك التشتت .

فالسكين البسيط في يد الماهر خير من السيف المذهّب في يد الأخرق. والقلم الرصاص في يد المنتج أنفع من ألف برنامج في يد المتردد المتشتت.

فكن حكيماً في اختيارك، واقعياً في تقييمك، ثابتاً على ما يُثمر لك، ولا تجعل الوسيلة تلتهم الغاية.


انتهى بحمد الله

تعليقات

المشاركات الشائعة