التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الملعب ليس مستويًا: المركزية الأوروبية في عالم الرياضة

مدخل حين يرفع لاعب الكأسَ في ملعب أوروبي، يُصفَّق له العالم. وحين يرفعها في مكان آخر، يبحث العالم عمّن يمنحه الاعتراف. هذا الفارق البسيط في نظرة الناس هو مدخلنا إلى سؤال أعمق: من يملك في الرياضة سلطة تعريف القيمة؟ حين يتأمل الباحث عالم الرياضة الحديثة لا يلبث أن يكتشف أن الأمر لا يتعلق بالموهبة وحدها، ولا بالعمل والإنجاز فقط، بل يتصل أيضًا بمن يملك سلطة التعريف، ومن يوزع الاعتراف، ومن يضع المعايير التي يصير الناس بعدها إلى مركز وهامش. فالرياضة العالمية، في صورتها المؤسسية والإعلامية، نشأت داخل فضاء غربي مهيمن، ثم تمددت إلى العالم كله وهي تحمل معها كثيرًا من تصورات هذا الفضاء عن القوة والتفوق والجدارة. ومن هنا لم يعد التحيز الغربي في الرياضة حادثة عابرة، ولا زلة خطابية معزولة، بل صار بنية تتكرر في الجوائز والبطولات والتغطيات والتصورات الذهنية. المشكلة لا تكمن فقط في أن أوروبا متقدمة تنظيميًا وماليًا، فهذا جزء من المشهد لا كله، بل في أن هذا التقدم يتحول في الخطاب السائد إلى دليل ضمني على أحقية أوروبا وحدها بقيادة المعنى الرياضي العالمي، وكأن بقية الأمم لا تدخل ساحة التقدير إلا بعد أن تنا...

فلسفة الرضا والقدر: كيف تصل إلى الطمأنينة الحقيقية؟



الحمد لله الذي جعل الأيام دولاً، والأحوال قُلَباً، والصبر مطيةً لا تكبو، والرضا جنةً معجلة.

من مشكاة النبوة الخالدة، يطل علينا تصويرٌ فنيٌّ بديع، فقد جاء عن المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وصف لحال المؤمن والمنافق في معترك الحياة. ففي الصحيحين، يضرب لنا النبيُّ مثلاً يختزل حكمة الوجود، فيشبه المؤمن بـ “الخامة من الزرع”؛ تلك النبتة الغضة الطرية، التي تلاعبها الرياح، فتميلها تارةً وتعدلها تارةً أخرى، ولكنها لا تنكسر، بل تساير العاصفة بمرونة الخاشع، وتعود للاستقامة بعزيمة الموقن.
أما المنافق، فمثله كمثل “الأرزة”؛ تلك الشجرة الصلبة الصماء، التي تغتر بانتصابها، وتقاوم الريح بعنجهيةٍ زائفة، حتى إذا اشتد العصف، اجتُثت من أصلها مرةً واحدة.
وهنا يطل علينا طبيب القلوب، ابن القيم -رحمه الله-، ليبضع بمشرط الحكمة كبد الحقيقة، موضحاً أن هذا التمايل في حياة المؤمن ليس عبثاً، بل هو عين الرحمة. فالمؤمن يتقلب بين عافية وبلاء، ومنحة ومحنة، وصحة وسقم؛ ليكون هذا التقلب كيرًا ينفي خبثه، وتمحيصاً يصفّي روحه، فيخرج من بوتقة الابتلاء كالذهب الإبريز، خالصاً من الشوائب. أما غير المؤمن، فكالوقود الخبيث، يتراكم عليه الدرن حتى يلقى ربه بذنوبٍ لم تُغسل بماء البلاء قال ابن القيم (هذا المثل ضرب للمؤمن وما يلقاه من عواصف البلاء والأوجاع والأوجال وغيرها فلا يزال بين عافية وبلاء، ومحنة ومنحة، وصحة وسقم، وأمن وخوف، وغير ذلك، فيقع مرة ويقوم أخرى، ويميل تارة ويعتدل أخرى، فيكفر عنه بالبلاء ويمحص به ويخلص من كدره، والكافر كله خبث ولا يصلح إلا للوقود فليس في إصابته في الدنيا بأنواع البلاء من الحكمة والرحمة ما في إصابة المؤمن فهذه حال المؤمن في الابتلاء) مفتاح دار السعادة [1 / 127 ]..
ولأن الدنيا دار ممر لا دار مقر، فقد جُبلت على الأقذاء، وكما قال الشاعر الحكيم أبو الحسن التهامي نادباً حظ من يطلب المستحيل:
طُبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا *** صَفْوًا مِنَ الْأَقْذَاءِ وَالْأَكْدَارِ
فيا أيها السائر في دروب الحياة، وطِّن نفسك على الصبر، فما هي إلا سويعات وتمضي، وتصبح الآلام ذكريات، والجراح أوسمة. ولكن.. هل يكفي الصبر؟
إن في مدارج السالكين مقاماً أسمى، ومرتقىً أصعب، إنه مقام “الرضا”. فالصبر حبسٌ للنفس عن الجزع، وكفٌّ للسان عن الشكوى، وقد يصاحبه ألمٌ مضمر أو دمعٌ محبوس. أما الرضا، فهو سكون القلب تحت مجاري الأقدار، وطمأنينة الروح لاختيار الحكيم العليم. الراضي هو من امتلأ قلبه يقيناً بأن خيرة الله له خيرٌ من خيرته لنفسه، وأن المنع عين العطاء إذا كان من رب السماء.
إنه تحقيقٌ عمليٌّ لركن الإيمان بالقدر؛ نفسٌ منشرحة، وروحٌ وثابة، تدرك قوله تعالى في آيةٍ تقطع قول كل خطيب، وتُسكت كل معترض:
{… وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
فالله يعلم مآلات الأمور، ونحن أسرى اللحظة الراهنة، ومن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، والعاقبة للمتقين.

From Blogger iPhone client

تعليقات

المشاركات الشائعة