التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الترجمة استعمارٌ ناعم: حين تُعيد اللغة تشكيل التفكير

تخيل أنك تقف في مكتبةٍ مزدحمة، تتصفّح كتابًا مترجمًا عن الإنجليزية، فتقرأ عبارةً تتحدّث عن   تحرر الفرد من قيود الجماعة . تومئ برأسك موافقًا، ثم تمضي. لم تنتبِه إلى أن العبارة لم تنقل إليك معنىً فحسب، بل نقلت معها   حمولة فكرية   و افتراضًا كاملًا   عن العلاقة بين الفرد والجماعة: عن كون الجماعة   قيدًا لا حضنًا ، وعن كون التحرر منها   مكسبًا لا خسارة . في تلك اللحظة الصامتة، حدث ما هو أعمق من القراءة: حدثت   إعادة ترتيب خفيّة   لطريقتك في رؤية الأشياء. هذا هو السؤال الذي كان يشغلني: هل الترجمة   فعلٌ بريء ، أم أنها   قناةٌ تتسلّل عبرها رؤى العالم ؟ ما الذي ينتقل حين ننقل الكلمة؟ ليست اللغة وعاءً للمعنى فحسب، بل هي   طريقةٌ أيضًا في رؤية العالم . وكلما انتقل النص من لسان إلى لسان، انتقل معه شيء من منظومته الثقافيّة و حمولته الفكرية ، وانتقلت معه   افتراضاته الخفيّة   التي لا تظهر في المعنى المباشر. ولهذا يمكن النظر إلى الترجمة، حين تُدار خارج   الوعي النقدي ، بوصفها نوعًا من   الاستعمار الناعم : استعمار لا يكتفي ب...

فلسفة الرضا والقدر: كيف تصل إلى الطمأنينة الحقيقية؟



الحمد لله الذي جعل الأيام دولاً، والأحوال قُلَباً، والصبر مطيةً لا تكبو، والرضا جنةً معجلة.

من مشكاة النبوة الخالدة، يطل علينا تصويرٌ فنيٌّ بديع، فقد جاء عن المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وصف لحال المؤمن والمنافق في معترك الحياة. ففي الصحيحين، يضرب لنا النبيُّ مثلاً يختزل حكمة الوجود، فيشبه المؤمن بـ “الخامة من الزرع”؛ تلك النبتة الغضة الطرية، التي تلاعبها الرياح، فتميلها تارةً وتعدلها تارةً أخرى، ولكنها لا تنكسر، بل تساير العاصفة بمرونة الخاشع، وتعود للاستقامة بعزيمة الموقن.
أما المنافق، فمثله كمثل “الأرزة”؛ تلك الشجرة الصلبة الصماء، التي تغتر بانتصابها، وتقاوم الريح بعنجهيةٍ زائفة، حتى إذا اشتد العصف، اجتُثت من أصلها مرةً واحدة.
وهنا يطل علينا طبيب القلوب، ابن القيم -رحمه الله-، ليبضع بمشرط الحكمة كبد الحقيقة، موضحاً أن هذا التمايل في حياة المؤمن ليس عبثاً، بل هو عين الرحمة. فالمؤمن يتقلب بين عافية وبلاء، ومنحة ومحنة، وصحة وسقم؛ ليكون هذا التقلب كيرًا ينفي خبثه، وتمحيصاً يصفّي روحه، فيخرج من بوتقة الابتلاء كالذهب الإبريز، خالصاً من الشوائب. أما غير المؤمن، فكالوقود الخبيث، يتراكم عليه الدرن حتى يلقى ربه بذنوبٍ لم تُغسل بماء البلاء قال ابن القيم (هذا المثل ضرب للمؤمن وما يلقاه من عواصف البلاء والأوجاع والأوجال وغيرها فلا يزال بين عافية وبلاء، ومحنة ومنحة، وصحة وسقم، وأمن وخوف، وغير ذلك، فيقع مرة ويقوم أخرى، ويميل تارة ويعتدل أخرى، فيكفر عنه بالبلاء ويمحص به ويخلص من كدره، والكافر كله خبث ولا يصلح إلا للوقود فليس في إصابته في الدنيا بأنواع البلاء من الحكمة والرحمة ما في إصابة المؤمن فهذه حال المؤمن في الابتلاء) مفتاح دار السعادة [1 / 127 ]..
ولأن الدنيا دار ممر لا دار مقر، فقد جُبلت على الأقذاء، وكما قال الشاعر الحكيم أبو الحسن التهامي نادباً حظ من يطلب المستحيل:
طُبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا *** صَفْوًا مِنَ الْأَقْذَاءِ وَالْأَكْدَارِ
فيا أيها السائر في دروب الحياة، وطِّن نفسك على الصبر، فما هي إلا سويعات وتمضي، وتصبح الآلام ذكريات، والجراح أوسمة. ولكن.. هل يكفي الصبر؟
إن في مدارج السالكين مقاماً أسمى، ومرتقىً أصعب، إنه مقام “الرضا”. فالصبر حبسٌ للنفس عن الجزع، وكفٌّ للسان عن الشكوى، وقد يصاحبه ألمٌ مضمر أو دمعٌ محبوس. أما الرضا، فهو سكون القلب تحت مجاري الأقدار، وطمأنينة الروح لاختيار الحكيم العليم. الراضي هو من امتلأ قلبه يقيناً بأن خيرة الله له خيرٌ من خيرته لنفسه، وأن المنع عين العطاء إذا كان من رب السماء.
إنه تحقيقٌ عمليٌّ لركن الإيمان بالقدر؛ نفسٌ منشرحة، وروحٌ وثابة، تدرك قوله تعالى في آيةٍ تقطع قول كل خطيب، وتُسكت كل معترض:
{… وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
فالله يعلم مآلات الأمور، ونحن أسرى اللحظة الراهنة، ومن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، والعاقبة للمتقين.

From Blogger iPhone client

تعليقات

المشاركات الشائعة