التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الملعب ليس مستويًا: المركزية الأوروبية في عالم الرياضة

مدخل حين يرفع لاعب الكأسَ في ملعب أوروبي، يُصفَّق له العالم. وحين يرفعها في مكان آخر، يبحث العالم عمّن يمنحه الاعتراف. هذا الفارق البسيط في نظرة الناس هو مدخلنا إلى سؤال أعمق: من يملك في الرياضة سلطة تعريف القيمة؟ حين يتأمل الباحث عالم الرياضة الحديثة لا يلبث أن يكتشف أن الأمر لا يتعلق بالموهبة وحدها، ولا بالعمل والإنجاز فقط، بل يتصل أيضًا بمن يملك سلطة التعريف، ومن يوزع الاعتراف، ومن يضع المعايير التي يصير الناس بعدها إلى مركز وهامش. فالرياضة العالمية، في صورتها المؤسسية والإعلامية، نشأت داخل فضاء غربي مهيمن، ثم تمددت إلى العالم كله وهي تحمل معها كثيرًا من تصورات هذا الفضاء عن القوة والتفوق والجدارة. ومن هنا لم يعد التحيز الغربي في الرياضة حادثة عابرة، ولا زلة خطابية معزولة، بل صار بنية تتكرر في الجوائز والبطولات والتغطيات والتصورات الذهنية. المشكلة لا تكمن فقط في أن أوروبا متقدمة تنظيميًا وماليًا، فهذا جزء من المشهد لا كله، بل في أن هذا التقدم يتحول في الخطاب السائد إلى دليل ضمني على أحقية أوروبا وحدها بقيادة المعنى الرياضي العالمي، وكأن بقية الأمم لا تدخل ساحة التقدير إلا بعد أن تنا...

اللغة والهوية الثقافية: كيف يؤثر الاحتلال اللغوي على الشعوب؟


أولاً: اللغة بوصفها كياناً حضارياً لا مجرد أداة تواصل

تبدأ الإشكالية من لحظة التعريف؛ فاللغة في تراثنا المعرفي حدّها ابن جني بأنها "أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم"[1]، وهو تعريف يكتنز في ظاهره البساطةُ وفي باطنه الإشارةُ إلى الارتباط العضوي بين الجماعة البشرية وطريقة إفصاحها عن الوجود. أما الفيلسوف الألماني يوهان فيخته فقد ذهب إلى أن اللغة "رمز وجود الأمة"، وأن المحافظة عليها أو ضياعها هو ما يجعل المجموعة البشرية أمةً أصيلة أو مجرد شتات، وأن أثرها في الشعب "يمتد إلى تفكيره وإرادته وعواطفه وتصوراته وإلى أعماق أعماقه."[ 2]

وقد وصل البحث الأكاديمي المعاصر إلى مآلات مشابهة؛ إذ تؤكد الدراسات في علم اللغة التطبيقي أن اللغة ليست أداةً محايدة للنقل المعلوماتي، بل هي ناقل حضاري يحمل معه نظام قيم وطريقة للنظر في العالم. وقد توصل الباحث في اللسانيات الثقافية حسن عجمي إلى أن "هوية العرب تكمن في اللغة العربية، وأن اللغة العربية وحدها هي التي تحدد من هو العربي"[3]، مما يجعل اللغة مرجعاً هوياتياً أوليّاً يسبق الدين والعرق والجغرافيا.

وفي هذا الإطار بالذات تبرز المكانة الفريدة للغة العربية في الإسلام؛ فالقرآن الكريم نُزِّل بلسان عربي مبين، واستتبع ذلك أن تغدو معرفةُ هذا اللسان جزءاً من الدين لا أداةً بيانية فحسب. وقد قرّر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن "اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيّناً"[4]، وأن معرفة اللغة العربية "فرض واجب لأن فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية."[ 4] وهذا التقرير ليس مجرد حكم فقهي، بل هو تصوّر معرفي بنائي عن الصلة بين الوعاء اللغوي والتكوين الديني والأخلاقي.

ومن أبرز ما يميز الحضارة الإسلامية في هذا السياق أن توحيد اللسان قد أعان على تجاوز نوع من التفرق الديني الذي عانت منه الكنيسة المسيحية، حين تباينت الكنيسة الرومانية اليونانية اللاتينية عن الكنائس الشرقية الآرامية العربية؛ فذلك التباين اللغوي أفضى إلى تباين في تصور المفاهيم الدينية ذاتها. وقد ذهب الباحثون في دور اللغة العربية في الحضارة الإسلامية إلى أنها "حجر الأساس في إرساء الحضارة الإسلامية وإدامتها، وأنها لعبت دوراً لا غنى عنه في التطور الثقافي والفكري والروحي للمجتمعات المسلمة"[5].

وتتقاطع هذه الرؤية مع ما وصلت إليه الدراسات الحديثة في سوسيولوجيا اللغة؛ فالبحث في العلاقة بين اللغة العربية والهوية الإسلامية يُثبت أن العربية "تؤدي وظيفة رمزية دينية وعرقية ووطنية في آنٍ واحد، وأن الارتباط الديني هو أقوى محفزات تعلمها لدى غير الناطقين بها."[ 6]

 

ثانياً: ظاهرة الاحتلال اللغوي 

استعمل الأديب الأصيل مصطفى صادق الرافعي مصطلح "الاحتلال العقلي"، فيما ذهب أحمد حسن الزيات إلى توصيف الظاهرة بـ"الاحتلال اللغوي"، وكلاهما يصفان حالةً واحدة: ذوبانُ الشخصية في شخصية الآخر الغالب، وإسلامُ العقل لمنطقه، وتليينُ اللسان بلغته. وقد فرّق مالك بن نبي بين مفهومَي الاحتلال والاستعمار، معتبراً الأول ظاهرةً مادية والثاني ظاهرةً تجمع المادي والنفسي معاً، وهو تمييز ذو قيمة تحليلية عالية.

والجذر الأعمق لهذه الظاهرة كشفه ابن خلدون في مقدمته الخالدة حين وصف آلية تعلق المغلوب بالغالب: "النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، فإذا غالطت بذلك واتصل لها اعتقاداً فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به."[ 7] وهذا التفسير ليس مجرد ملاحظة تاريخية، بل هو نموذج تفسيري في سيكولوجيا الشعوب لا يزال يُغني البحث الاجتماعي.

يقول الرافعي في هذا السياق: "ما ذلّت لغةُ شعبٍ إلا ذلَّ، ولا انحطَّت إلا كان أمرُه في ذهابٍ وإدبارٍ، ومن هذا يفرضُ الأجنبيُّ المستعمر لغتَه فرضًا على الأمة المستعمَرة؛ فيحكم عليهم أحكاماً ثلاثة في عمل واحد: حبسُ لغتهم في لغته سجناً مؤبداً، والحكمُ على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً، وتقييدُ مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها."[ 8]

 

البُعد الأكاديمي المعاصر

تندرج هذه الظاهرة في الأدبيات الأكاديمية تحت مصطلح الإمبريالية اللغوية (Linguistic Imperialism). وتنطوي هذه الإمبريالية على "بنية مغايَرة غير متساوية من التبادل، حيث تتشابك هيمنة اللغة مع الهيمنة الاقتصادية والسياسية وسائر أشكال الهيمنة، في نظام يُشرعن هذا الاستغلال ويُطبّعه."[ 9]

وتكشف الأبحاث في هذا المجال أن اللغة إذ هيمنت في مرحلة الاستعمار كانت امتداداً عضوياً لاستعمار السياسة والاقتصاد والثقافة، وأن "الاستقلال السياسي لم يُفضِ في الغالب إلى تحرر لغوي فعلي."[ 10] وبحسب ما توصلت إليه الدراسات الحديثة، فإن تقاطع الإمبريالية اللغوية والثقافية أفضى إلى ظاهرة أشد خطورة، هي أن أبناء المجتمعات المستعمَرة "يستوعبون دون وعي حتى الإهانات الموجهة إليهم ويتبنّونها ويوجهونها إلى أنفسهم، رغم أنها ضدهم."[ 2]

وقد لاحظ الباحث نغوغي واثيونغو أن الاستعمار ليس ظاهرة سياسية واقتصادية فحسب، بل هو في جوهره "ظاهرة لغوية"، وأن فرض لغة المستعمِر أدى إلى "ضياع الهوية الثقافية وتراجع تقدير الذات لدى المستعمَرين."[ 11] وهذا ما جعل دعوته إلى التحرر اللغوي شرطاً للتحرر الحضاري.

وقد نبّهت الدراسات الحديثة كذلك إلى أن "الفصاحة بلغة أجنبية وتقليد ثقافتها لا يُشكّلان تقدماً بل مرضاً حضارياً هو أصل جميع المصائب وسبب الهوة المتسعة بين النخبة المقلِّدة وعامة الشعب المتمسك بثقافته."[ 2]

الإستراتيجية الفرنسية نموذجاً

ولعل الحالة الفرنسية من أبلغ النماذج على وعي الدولة بأهمية اللغة كأداة حضارية وقوة ناعمة. فمنذ عام 1635 يتحرك الفرنسيون بمنظومة مؤسسية متكاملة تبدأ بالأكاديمية الفرنسية مروراً بالتحالف الفرانكوفوني الذي يضم أكثر من خمسين دولة، وانتهاءً بقانون توبون عام 1994 الذي جعل الفرنسيةَ إلزاميةً في المنشورات والمؤتمرات والإعلانات. وهذه المنظومة ليست تعصباً لغوياً أعمى، بل وعيٌ حضاري مبني على فهم اقتصادي وسياسي للرهانات اللغوية؛ فالمعهد البريطاني وحده يدر ملياريْ جنيه إسترليني سنوياً ويُولّد عشرات الآلاف من فرص العمل.[ 12]

وتجدر الإشارة هنا إلى ما وصل إليه الباحثون من أن اللغة الإنجليزية انتقلت في المرحلة المعاصرة من كونها أداة للإمبريالية الأنجلوأمريكية التقليدية إلى كونها "لغة إمبراطورية نيوليبرالية أمريكية تعزز نفوذها في الاقتصاد والمعرفة والمؤسسات الدولية."[ 13]

الشاهد الإسرائيلي:

ومن أشد المفارقات دلالةً على الصلة بين اللغة والمشروع الوجودي للأمة، ما فعله اليعازر بن يهودا حين هاجر إلى فلسطين المحتلة عام 1881 حاملاً شعار "لا حياة لأمة بلا لغة"، فأسّس أول بيت يتكلم بالعبرية وكرّس أربعة عقود لإحياء لغة كانت في عداد الميتة. وهذه التجربة — مهما كان الموقف الأخلاقي من صاحبها — تُلقي ضوءاً ساطعاً على أن المشاريع الحضارية الكبرى تستثمر في اللغة استثماراً أولياً، وأن هذا الاستثمار ثمرته في المدى البعيد.

 

ثالثاً: تعريب التعليم 

تكشف الإحصاءات المتعلقة بواقع التعليم الطبي في العالم العربي عن مفارقة صارخة: من بين تسعين كلية طب عربية لا تدرّس بالعربية إلا خمس كليات، فيما تنتهج اثنتان وسبعون بالإنجليزية وستٌّ بالفرنسية.[ 14] وهذا الوضع لم ينشأ طبيعياً، بل هو وليد قرارات سياسية مرتبطة بالاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882 وما أعقبه من تحويل قسري للتعليم إلى الإنجليزية تحت مسوّغ "عدم توفر المراجع الكافية."

الأدلة التاريخية على قدرة العربية

والحجة التاريخية في هذا الصدد قاطعة: فقد ثبت جدارة التعليم الطبي بالعربية تجريبياً في مصر التي بدأت مدرستها الطبية بالعربية عام 1827 على يد كلوت بك، وكانت النتيجة أن أدّى خريجوها امتحانات باريس بجدارة وأشادت بهم لجان علمية فرنسية رفيعة. وحين أُرسل اثنا عشر منهم إلى باريس عام 1832 ليمتحنهم كبار أساتذة الطب باللغة الفرنسية، خرج البارون دوبيوترين يهنئ كلوت بك على "إنجازه الرائع".[14]

وفي سوريا تجري الأدلة في المنحى ذاته؛ فقد كشفت نتائج الأطباء السوريين المتخرجين من كليات تدرّس بالعربية في امتحانات المجلس التعليمي للأطباء الأجانب بالولايات المتحدة أن "مستواهم لا يقل عن مستوى نظرائهم في مختلف أنحاء العالم"، وأن التعلم بالعربية "لم يكن عائقاً أمامهم في اجتياز امتحان يُعقد بالإنجليزية."[ 14]

وتتضافر الدراسات الحديثة في تأكيد جملة من الحقائق المرتبطة بلغة التدريس:

أولاً: تكشف المراجعة المنهجية لتسعة وأربعين دراسة تضم أكثر من أربعة عشر ألف طالب في الدول العربية أن استخدام لغة أجنبية في التعليم الطبي "يُعيق الأداء الأكاديمي ومهارات التواصل مع المرضى بصورة جوهرية"، وأن الطلاب يشعرون بثقة وفاعلية أكبر في التفاعل السريري حين يستخدمون لغتهم الأم.[ 15]

ثانياً: في تجربة عملية أُجريت في جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية، أثبتت مقارنة بين المحاضرات ثنائية اللغة ومحاضرات الإنجليزية الصرفة أن المجموعة التي تلقّت التعليم ثنائي اللغة حققت تحصيلاً أعلى دلالةً إحصائية، وأن 98% منها أفاد بتحسن الاستيعاب مقابل 56% فقط في المجموعة الأخرى.[ 16]

ثالثاً: في إطار تعليم العلوم بوجه عام، خلصت دراسة طولية عُنيت بتتبع المسارات المعرفية من الروضة حتى الصف الخامس إلى أن "الأطفال الذين يتلقون التعليم بلغتهم الأم يُحققون نمواً أعمق في التحصيل المعرفي العلمي، مما يؤكد الدور الجوهري للغة الأم في بناء الأسس المعرفية."[ 17]

رابعاً: في المغرب، كشفت دراسة أُجريت على 365 طالباً وعشرين أستاذاً في الفيزياء والكيمياء أن "هناك ارتباطاً سلبياً وثيقاً بين انخفاض إتقان الطلاب لغةَ التدريس الأجنبية وانخفاض تحصيلهم العلمي"، في حين كان أداؤهم ينمو حين مُنحوا فرصة الاستيعاب بلغتهم الأم.[ 18]

خامساً: يثبت تحليل بيانات برنامج PISA في ثمانية عشر دولة أن "التنوع اللغوي يمكن أن يُشكّل رصيداً للأداء الأكاديمي"، وأن اللغة الأولى القوية لدى الطالب لا تعيق تعلم لغة الدراسة الثانية بل تُسهم فيه.[ 19]

مسألة المصطلحات العلمية: الوهم والحقيقة

وكثيراً ما يُحتجّ بكثرة المصطلحات الطبية عائقاً أمام التعريب، غير أن الأدلة تفنّد هذا الوهم؛ ففي دراسة ميدانية على عشرة مراجع طبية مقررة على طلاب كلية الطب بجامعة الملك فيصل، وجد الباحثون أن المصطلحات الطبية الصرفة "لا تتجاوز 3.3% من مجموع الكلمات"، في حين أن 96.7% الباقية هي مفردات اللغة العادية.[ 14] وهذا يعني أن الحجة ذاتها مبنية على مبالغة في تقدير الحجم التقني للمحتوى الطبي.

وقد أثبت التاريخ أن الدول الصغيرة — كاليابان وهولندا وبولندا والدنمارك والسويد — أوجدت حركات ترجمة فعّالة حولت علوم العصر إلى لغاتها، فصارت هذه اللغات لغات علم حقيقية. وقد خلص الباحثون في مجال لغة التعليم إلى أن "أفضل 35 جامعة في العالم تدرّس بلغاتها الأم"، وهو ما يُفنّد الافتراضَ القائل إن التميز العلمي مرهون بالتخلي عن اللغة الوطنية.[ 20]

 

رابعاً: في مسألة استعارة الكلمات الأجنبية

تحتل هذه المسألة مكانة خاصة في تاريخ اللغة العربية وعلاقتها بالثقافات الأخرى؛ فالعربية لم تتردد تاريخياً في استيعاب الكلمات الدخيلة وتطويعها، كما فعلت مع "الأستاذ" و"الإيوان" و"الأسطوانة" و"الدستور" و"القانون" و"الأريكة"، وكما تفعل اليوم مع "التلفزيون" و"الإنترنت" و"البودكاست" — وهي كلمة انتهت إليها من لفظَين إنجليزيين: pod بمعنى الوعاء (كما في iPod الذي أطلقته شركة أبل عام 2001) وbroadcast بمعنى البث العام. وقد نحت هذا المزيج اللفظي الصحفيُّ البريطاني بن هامرسلي عام 2004.

وهذا التعامل مع الكلمات الأجنبية يعكس حيوية اللغة لا ضعفها. وبالتمييز الدقيق: الاستعارةُ اللغوية شيء، والتبعيةُ الحضارية شيء آخر. فالأمر ليس في دخول المفردة الأجنبية بذاتها، بل في التسليم بأن الآخر هو المرجع الوحيد في الإبداع والتفكير والتعليم والتشريع. ولهذا أشار الباحثون إلى أن "تعزيز مكانة العربية لا يعني الانكفاء عن العالم، بل إيجاد توازن بين الأصالة والتجديد يُمكّنها من الانخراط في السياق العالمي دون ذوبان."[ 21]

 

خامساً: العودة إلى اللغة: نماذج في النقد الأدبي وإحياء التراث

لا يكتمل الحديث عن اللغة والهوية دون الإشارة إلى أولئك الذين حاوروا التراث بعقلية الداخل لا بوصفات الخارج. وفي مقدمة هؤلاء يقف محمود محمد شاكر الذي صنع من اللغة ومن النص الأدبي منهجاً نقدياً متفرداً يُقارن بمنهج نقاد الحديث في كشف العلل. ومن مآثره الشاريحة أنه حين عُرضت عليه أبيات مجهولة الكلمة من كتاب أسامة بن منقذ فاستنبطها استنباطاً عقلياً، تبيّن أنها طابقت المخطوطة المحفوظة في الاتحاد السوفييتي مطابقةً تامة — وهو ما يكشف عن ارتياض في اللغة جعلها أداةً للاستدلال الدقيق.[ 22]

وعلى صعيد آخر، مثّل البروفيسور عبدالله الطيب تجربةً فريدة في الجمع بين الأصالة العربية والانفتاح المعرفي؛ فتنبّه إلى الأثر الكبير الذي أحدثه الشاعر البريطاني ت.س. إليوت في مسار الشعر العربي. وقد تتبّع عبدالله الطيب كيف انتهل إليوت من المعلقات العربية عبر ترجمة السير وليم جونز لها عام 1772، مستدلاً على وجوه التشابه في طريقة النظم لا في المعاني وحدها، وهو تمييز منهجي دقيق إذ "الأخذُ لا يقع في المعاني وحدها، أما الصياغات وأشكال الأداء فأمرها مختلف، ومتى وجدنا تشابهاً فيها وجب علينا أن نرجّح أخذ المتأخر عن المتقدم متى ما وجدنا الصلاتِ والوسائطَ التي يكون بها الأخذ."[ 23] وفي هذا الكشف ما يُسوّغ القول إن الشعر العربي القديم أسهم في تشكيل قصيدة الحداثة الغربية التي جاء بعض أبنائنا يريد أن يُعيدها إلينا باعتبارها قطيعةً مع الموروث.

خاتمة: 

ما يتكشّف من هذا البحث أن قضية اللغة ليست رفاهيةً أكاديمية ولا حنيناً عاطفياً إلى ماضٍ مضى، بل هي قضية مصيرية تتشابك فيها أبعاد ثلاثة:

البُعد الهوياتي: اللغة ليست وعاءً محايداً للأفكار، بل هي البنية التي ينتظم فيها التفكير والوجدان والقيم. وحين تُقصى لغة أمة من مؤسسات إنتاج المعرفة تنتقل التبعية من السياسة إلى أعماق الوعي.

البُعد المعرفي: تؤكد الأدلة التجريبية أن التعليم باللغة الأم يُحقق تحصيلاً أعمق واستيعاباً أكثر، وأن "عقبة المصطلحات" التي كثيراً ما يُحتج بها ليست أكثر من 3% من المحتوى العلمي.[ 14]

البُعد الحضاري: التجارب المقارنة من اليابان إلى إسرائيل إلى فيتنام تُثبت أن ترسيخ اللغة في منظومة التعليم والإنتاج المعرفي ممكنٌ وضروري، وأنه لا يتعارض مع تعلم لغات العالم، بل يجعل ذلك التعلم انفتاحاً لا ذوباناً.

المراجع والمصادر

[1]: ابن جني، أبو الفتح عثمان. الخصائص. تحقيق: محمد علي النجار. دار الهدى للطباعة والنشر، 1952.

[^2]: فيخته، يوهان غوتليب. خطب إلى الأمة الألمانية (1807-1808). ترجمة وتحليل في: الإبراهيمي، محمد البشير. آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي.

[3]: Ajami, H. (2016). Arabic Language, Culture, and Communication. International Journal of Linguistics, 8(5).

[^4]: ابن تيمية، تقي الدين أحمد. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم. تحقيق: ناصر العقل. دار العاصمة، الرياض.

[5]: Elsheakh, M.R.M.E., et al. (2025). Role of the Arabic Language in Building the Islamic Civilization. International Journal of Academic Research in Business and Social Sciences, 15(3).

[6]: Shaalan, D., et al. (2023). Instrument to Measure Identity Motivation in Arabic Second-Language Learners. Theory and Practice in Language Studies, 13(9).

[7]: ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة، الفصل الثالث والعشرون: "المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب." دار الجيل، بيروت.

[8]: الرافعي، مصطفى صادق. وحي القلم. دار الكتاب العربي، بيروت.

[9]: Phillipson, R. (2018). Linguistic Imperialism. The Encyclopedia of Applied Linguistics. Wiley-Blackwell.

[10]: Phillipson, R. (2006). Pragmatics: Linguistic Imperialism. Journal of Language and Politics, 5(3).

[11]: Thiong'o, Ngugi wa. Decolonizing the Mind: The Politics of Language in African Literature. James Currey, London, 1986. مُلخَّصاً في: Rani, M. (2022). Linguistic Decolonization in Ngugi Wa Thiong'o's Decolonizing the Mind. Asian Journal of Basic Science & Research, 4(2).

[12]: الزيات، أحمد حسن. وحي الرسالة. مجلة الرسالة، القاهرة. مُستشهداً بما أشار إليه من أرقام المعهد البريطاني عن: Rais, A. (مدير تنفيذي سابق للمجلس الثقافي البريطاني). تصريحات نُشرت في تقارير اليونسكو.

[^13]: Phillipson, R. (2008). The Linguistic Imperialism of Neoliberal Empire. Critical Inquiry in Language Studies, 5(1).

[14]: السباعي، زهير. دفاع عن تعليم الطب باللغة العربية (مع: ماجد عثمان). الطبعة الثانية، 1416هـ.

[15]: Hamad, A.A., et al. (2025). Decolonizing medical education: a systematic review of educational language barriers in countries using foreign languages for instruction. BMC Medical Education, 25(1).

[16]: Alhazmi, A.S., et al. (2025). The Impact of Bilingual vs English-Only Instruction on the Performance of Undergraduate Saudi Medical Science Students. Advances in Medical Education and Practice, 16.

[17]: Relyea, J., et al. (2024). Transactional development of science and mathematics knowledge and reading proficiency for multilingual students across languages of instruction. Developmental Psychology, 60(4).

[18]: Jarmouni, M., et al. (2024). A Study on the Impact of Instruction Language on Academic Achievement in Higher Education. Forum for Linguistic Studies, 6(3).

[19]: Ağirdağ, O., et al. (2018). Does more exposure to the language of instruction lead to higher academic achievement? A cross-national examination. International Journal of Bilingualism, 22(6).

[20]: UNESCO. (2016). Education for People and Planet: Creating Sustainable Futures for All. Global Education Monitoring Report. Paris: UNESCO.

[21]: Alsaied, M. (2025). Ways to enhance the status of the Arabic language between authenticity and challenges. Journal of Infrastructure, Policy and Development, 9(1).

[22]: شعيب الأرنأوط. شهادة منقولة في مراجع السيرة الأدبية لمحمود محمد شاكر. انظر: عمر عبد العزيز. محمود شاكر شاهداً على عصره. دار المدني، جدة.

[23]: الطيب، عبدالله. الفتنة باليوت خطر على الأدب العربي. مجلة الدوحة، فبراير ومارس وأبريل 1982. ثم صدر كتاباً: حتام نحن مع الفتنة بالشاعر ت.س. إليوت، الدوحة، 1991..

تعليقات

المشاركات الشائعة