التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الملعب ليس مستويًا: المركزية الأوروبية في عالم الرياضة

مدخل حين يرفع لاعب الكأسَ في ملعب أوروبي، يُصفَّق له العالم. وحين يرفعها في مكان آخر، يبحث العالم عمّن يمنحه الاعتراف. هذا الفارق البسيط في نظرة الناس هو مدخلنا إلى سؤال أعمق: من يملك في الرياضة سلطة تعريف القيمة؟ حين يتأمل الباحث عالم الرياضة الحديثة لا يلبث أن يكتشف أن الأمر لا يتعلق بالموهبة وحدها، ولا بالعمل والإنجاز فقط، بل يتصل أيضًا بمن يملك سلطة التعريف، ومن يوزع الاعتراف، ومن يضع المعايير التي يصير الناس بعدها إلى مركز وهامش. فالرياضة العالمية، في صورتها المؤسسية والإعلامية، نشأت داخل فضاء غربي مهيمن، ثم تمددت إلى العالم كله وهي تحمل معها كثيرًا من تصورات هذا الفضاء عن القوة والتفوق والجدارة. ومن هنا لم يعد التحيز الغربي في الرياضة حادثة عابرة، ولا زلة خطابية معزولة، بل صار بنية تتكرر في الجوائز والبطولات والتغطيات والتصورات الذهنية. المشكلة لا تكمن فقط في أن أوروبا متقدمة تنظيميًا وماليًا، فهذا جزء من المشهد لا كله، بل في أن هذا التقدم يتحول في الخطاب السائد إلى دليل ضمني على أحقية أوروبا وحدها بقيادة المعنى الرياضي العالمي، وكأن بقية الأمم لا تدخل ساحة التقدير إلا بعد أن تنا...

مستقبل الكتابة الإبداعية في زمن الذكاء الاصطناعي

 


جلستُ ذات مساء أتصفح ما أنتجه أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فقرات منسجمة. جمل لها رونق. وقفتُ طويلاً أمام الشاشة وأنا لا أعرف تحديداً ما الذي يُزعجني — لأن النص لم يكن سيئاً.

هذا هو بيت القصيد.


الذكاء الاصطناعي يكتب، و لا فائدة من إنكار ذلك. يُنتج نصوصاً تشبه نصوص البشر، بل تفوقها أحياناً في الانسجام الشكلي. لكن من أين يكتب؟

من بيانات و من ملايين الجمل التي التهمها وأعاد تركيبها في أنماط إحصائية. هو يُجيد المحاكاة كما يُجيد الببغاء تقليد الأصوات، لكنه لا يعيش ما يكتبه. 

لا توجد في ذاكرته ليلة أرّقته، ولا صديقا فقده، ولا سؤالا ظل ينخر في صدره سنوات. الكاتب يكتب لأنه لو لم يكتب لاختنق بعكس هذا الذكاء الاصطناعي .

المتنبي حين قال :

وَاحَــرَّ قَلبــاهُ مِمَّــن قَلْبُـهُ شَـبِمُ

ومَــن بِجِسـمي وَحـالي عِنْـدَهُ سَـقَمُ

مـا لـي أُكَـتِّمُ حُبّـاً قـد بَـرَى جَسَدي

وتَــدَّعِي حُـبَّ سَـيفِ الدَولـةِ الأُمَـمُ

إِنْ كــانَ يَجمَعُنــا حُــبٌّ لِغُرَّتِــهِ 

فَلَيــتَ أَنَّــا بِقَــدْرِ الحُـبِّ نَقتَسِـمُ

و عبدالمجيد الزهراني يوم قال:

أنا اكتب الشعر حتى انبت ورق اخضر


ولا انتظر من يد الجمهور تصفيقه


الشعر دمعه تطيح وصحن يتكسر


من أضيق الوسع حتى أوسع الضيقه


لنا الشوارع لنا المسمار والبنشر


في كل شارع لنا حكة وتلبيقه


شبعان دنيا ومتبهذل ومتجرجر


محلوق راسي وماكل كف تحليقه

هما لم يُنشئا جملة بارعة، بل أخرجا من صدرهما ما أثقله زماناً. و حين تقرأ للغزالي تشعر بخوفه من الله وهو يُقلّب ما آل إليه أمر العلماء. و حين تقرأ لابن الجوزي تحس بلوعة الفقيه يبكي على تضييع الأعمار. هذا الثقل لا يُبرمَج.

لكن الجرح الحقيقي ليس ما يخشاه الكتّاب عادةً. الخطر ليس أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل أحد ، بل الخطر أن يتبلّد ذوق القارئ حتى لا يُفرّق بين النصين. حين تتراكم النصوص المنقّحة، المرتّبة ترتيباً مثالياً، قد يُصاب القارئ بعجز تدريجي عن تذوق النص الأصيل، النص الذي فيه أثر يد إنسان وفيه ارتعاشة يد كتبت بقلب وروح قبل القلم.

سألتُ نفسي يوما: ما الذي يجعلني أُكابد البحث عن الكلمة المناسبة في حين يُمكن لأداة ذكية أن تُنجز النص في ثوانٍ؟

والجواب الذي وجدتُه بالنسبة لي ليس فلسفياً: أنا لا أكتب لأُنتج نصاً. أكتب لأفهم ما أفكر فيه. أكتب لأُحدّث نفسي قبل أن أُحدّث أحداً. أكتب لأبوح بما يعن لي من خواطر وأفكار ربما ضاق بها صدري فاتسعت لها أوراقي. الكتابة رحلة داخلية، ولا يخوضها عني أحد مهما أوتي.

يقول أحهم إن الكاتب لا يكتب لأن لديه ما يقوله، بل يكتب ليعرف ما يريد قوله. الذكاء الاصطناعي لا يعرف هذه المفارقة لأنه يعرف ما سيكتبه قبل أن يكتبه.

الكاتب الذي يكتب من تجربة حقيقية لا تُنافسه الخوارزميات، فهو يكتب من مكان لا تصله. أما الكاتب الذي كان يكتب نصوصاً باردة أصلاً، فربما كان الذكاء الاصطناعي مرآةً صادقة له: فما يكتبه يشبه ما يكتبه الذكاء قبل أن يوجد.

الكتابة الحقيقية هي التي تجعلك حين تقرأها تشعر أن وراء السطور إنساناً يتنفس. هذا الإنسان لم يمت، لكنه يحتاج أن يُذكَّر كل فترة، بأن ما يجعله لا يُستبدَل ليس سرعته ولا انسجامه، بل هو بالضبط ذلك الشيء غير المنسجم فيه.


حسن بن عاطف



تعليقات

المشاركات الشائعة