في لحظات الفراق، تتكشف في النفس معانٍ لا تظهر في أوقات الوصل؛ إذ لا يُقاس حضور الأحبة بقربهم فحسب، بل بما يتركونه في القلب من أثرٍ لا يزول. وحين يرحل من كان سنداً ورفيق درب، يشعر الإنسان أن جزءاً من توازنه قد غاب، وأن للغياب ثقلاً لا يخففه إلا استحضار الذكرى، واستعادة المواقف التي صنعت ذلك الود العميق.
إن الصداقة الحقيقية لا تُبنى على العابر من الأيام، بل تُصاغ من مواقف ثابتة، تتجلى فيها معادن الرجال. ومن كان طيب السجية، كريم الخلق، صادق المعونة، فإنه لا يمر في حياة الآخرين مروراً عادياً، بل يترك أثراً ممتداً، كالغيث إذا أصاب الأرض، أحياها، وبقي نفعه فيها وإن انقطع نزوله.
وفي استحضار تلك المواقف، يتبدى الإنسان في أجمل صوره؛ مروءةً، ووفاءً، وحسن تدبير. فكم من موقفٍ مرّ عابراً في حينه، ثم غدا مع الزمن علامة فارقة، تُروى لا بوصفها حدثاً، بل شاهداً على أصالة الطبع، وصدق العشرة. وهنا تتجلى قيمة الإنسان لا بما يقول، بل بما يفعل حين تمتحن الأيام معادن الرجال.
ومع الفراق، لا تنقطع خيوط الود، بل تتخذ شكلاً آخر، أكثر رسوخاً وهدوءاً. فالمحبة الصادقة لا تفسدها المسافات، ولا تُغيّرها التحولات، بل تبقى ثابتة، نقية من شوائب المصالح، قائمة على تقديرٍ متبادل، واعترافٍ بجميلٍ لا يُنسى.
ويمتد هذا الشعور ليشمل الرحلة بكل تفاصيلها؛ من ديارٍ تُطوى، إلى مشاهد تُعاش، إلى لحظات روحانية تبلغ ذروتها عند البيت العتيق، حيث يتجرد الإنسان من همومه، ويرفع قلبه بالدعاء، مستحضراً وجوه من أحب، سائلاً الله لهم الخير والتوفيق حيثما حلّوا.
وحين يتجه الصديق إلى مرحلة جديدة من حياته، حاملاً مسؤولياته، وساعياً في ميادين العطاء، فإن الفراق يتحول من حزنٍ خالص إلى مزيج من الأسى والفخر. أسى على البعد، وفخرٌ بما يمثله هذا الإنسان من قيمة، وما يحمله من عقلٍ راجح، وقلبٍ مخلص، وإرادة تتطلع إلى العلا.
وهكذا، تبقى الذكرى حية، لا بوصفها ماضياً يُستعاد، بل قوةً تدفع إلى الوفاء، وتُذكّر بأن العلاقات الصادقة لا تنتهي بانتهاء اللقاء، بل تستمر بالدعاء، وبالأثر الطيب، وباليقين أن ما كان لله دام واتصل.
حلَ الفراقُ فمن يأسو لأوجاعي؟
والبينُ أوقدَ نيرانا بأضلاعي
يا سالمَ الطبعِ يا أوفى الورى شيما
كنتَ المعينَ على همي وأوضاعي
أنتَ العقيدُ الذي سارت فضائلهُ
بينَ الأنامِ كغيثٍ نالَ زراعي
كم موقفٍ مرَ في الأيامِ نذكرهُ
يسمو بشهمٍ كريمِ الأصلِ مطواعِ
غادرتَ لكنَ ذكرى الفخرِ باقيةٌ
تتلى على الجيلِ في حبٍ و إجماعِ
يا حسنَ نجدٍ إذا طابت نسائمها
والبدرُ يكسو الفيافي ثوبَ إشعاعِ
نطوي الديارَ وما ملت ركائبنا
نجني المسراتِ من سفحٍ ومرباعِ
حتى أتينا حمى البيتِ العتيقِ ضحى
نرجو الإلهَ بقلبٍ خائفٍ داعِ
ولستُ أنسى قديما لي زيارتكم
طابت بها الروحُ في أنسٍ وإمتاعِ
أتيت من غيرِ ميعادٍ تُبَادِرُني
تطوي المسافاتِ في شوقٍ وإسراعِ
يا صاحبي إذ دنا للبينِ موعدنا
أبقى الوداعُ أسى في قلبِ ملتاعِ
لا يقطعُ البعدُ وصلا طابَ موردهُ
فالودُ باقٍ بلا زيفٍ وأطماعِ
قدتَ الرجالَ بعقلٍ راجحٍ حكمٍ
فكنتَ للحقِ صوتا غيرَ منصاعِ
واليومَ نَحوَ رُبُوعِ الجوفِ مُنتقِلٌ
تَرْعَى المَهَامَّ بِقَلْبٍ لِلعُلا ساعِ
والجوفُ تزهو سُرُوراً حينَ تَقْصِدُها
تَسْتَقْبِلُ الشَّهْمَ فِي يُمْنٍ وَإِجْمَاعِ
يا من ملكتَ قلوبا طابَ منبتها
سر في طريقِ العلا في كلِ أصقاعِ
يا ربِ وفقهُ في ما رامَ من عملٍ
واكتب لهُ الخيرَ في سعيٍ وإيناعِ
تعليقات
إرسال تعليق