التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الترجمة استعمارٌ ناعم: حين تُعيد اللغة تشكيل التفكير

تخيل أنك تقف في مكتبةٍ مزدحمة، تتصفّح كتابًا مترجمًا عن الإنجليزية، فتقرأ عبارةً تتحدّث عن   تحرر الفرد من قيود الجماعة . تومئ برأسك موافقًا، ثم تمضي. لم تنتبِه إلى أن العبارة لم تنقل إليك معنىً فحسب، بل نقلت معها   حمولة فكرية   و افتراضًا كاملًا   عن العلاقة بين الفرد والجماعة: عن كون الجماعة   قيدًا لا حضنًا ، وعن كون التحرر منها   مكسبًا لا خسارة . في تلك اللحظة الصامتة، حدث ما هو أعمق من القراءة: حدثت   إعادة ترتيب خفيّة   لطريقتك في رؤية الأشياء. هذا هو السؤال الذي كان يشغلني: هل الترجمة   فعلٌ بريء ، أم أنها   قناةٌ تتسلّل عبرها رؤى العالم ؟ ما الذي ينتقل حين ننقل الكلمة؟ ليست اللغة وعاءً للمعنى فحسب، بل هي   طريقةٌ أيضًا في رؤية العالم . وكلما انتقل النص من لسان إلى لسان، انتقل معه شيء من منظومته الثقافيّة و حمولته الفكرية ، وانتقلت معه   افتراضاته الخفيّة   التي لا تظهر في المعنى المباشر. ولهذا يمكن النظر إلى الترجمة، حين تُدار خارج   الوعي النقدي ، بوصفها نوعًا من   الاستعمار الناعم : استعمار لا يكتفي ب...

قصيدة عطر الذاكرة: - حسن الشهري


 

تنهض هذه المبادرة على معنى رفيع، يكاد يلامس جوهر الزمن ذاته؛ إذ ليست مجرد لقاء بين جيلين، بل هي استدعاء لذاكرة ممتدة، تُستعاد فيها ملامح الأصالة، وتُبعث عبرها أنفاس الحكمة في قلوبٍ ظمأى للمعنى. إنها لحظة تلاقٍ بين نورٍ تراكم في صدور الكبار، وشوقٍ يتقد في أرواح الشباب، فكان الامتزاج الذي يثمر وعياً جديداً لا يقطع مع الماضي، ولا يذوب في الحاضر.
في هذه المبادرة، لا يُنظر إلى الكِبر بوصفه انطفاءً، بل باعتباره اكتمالاً؛ ولا إلى الشباب على أنه تهور، بل طاقة تنتظر التهذيب. ومن هنا تتجلى الفكرة في أبهى صورها: شيخٌ يحمل سرّ التجربة، وفتىً يتلقف ذلك السرّ بشغف الباحث عن يقين. وبين هذا وذاك، تنسج الحياة خيطها المتين، حيث لا تنفصم العرى، ولا تضيع المعاني.
وتغدو المجاردة، في هذا السياق، أكثر من مجرد مكان؛ إنها وعاءٌ حاضن لهذه الروح، ومسرحٌ تتجلى فيه القيم في صورتها العملية. أرضٌ عرفت طِيب المنبت، وصدق المسعى، فكان طبيعياً أن تحتضن مبادرةً تُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وزمنه، وبين الجيل وامتداده.
أما “أجاويد”، فهي ليست اسماً عابراً، بل دلالة على فعلٍ متجدد من الخير، يتجاوز حدود الفرد إلى أفق الجماعة. فيها تتجسد الأخلاق حين تتحول إلى عمل، وتتحول المبادئ إلى أثرٍ يُرى ويُلمس. هي مساحة يلتقي فيها الفعل النبيل مع النية الصادقة، فتُروى بها أرواحٌ كانت تبحث عن معنى الانتماء.
ومن أعمق ما تحمله هذه المبادرة، أنها تعيد الاعتبار لفكرة الامتداد الإنساني؛ فلا يعيش الشاب مقطوعاً عن جذوره، ولا يبقى الكبير حبيس ذكرياته. بل يتشارك الطرفان في صناعة لحظةٍ واعية، يُعاد فيها تشكيل الوعي على ضوء التجربة، ويُصاغ فيها المستقبل بروحٍ متصلة لا مبتورة.
إنها، في حقيقتها، عطرٌ يتسلل من ذاكرة الأيام، لا ليُذكر بما مضى فحسب، بل ليُنير ما هو آتٍ. عطرٌ إذا ما استنشقه الجيل الجديد، استقام له الطريق، واستبانت له معالم اليقين، ومضى وهو يحمل في قلبه شيئاً من حكمة الأمس، ونبض الحاضر، وأمل الغد وفي هذه المناسبة قلت :

يا عطرَ ذاكرةِ الأيامِ والزمنِ

يفوحُ مسكاً على الأرواحِ والمدنِ


في وجهِ منْ عبروا دربَ الحياةِ هدىً

نورٌ يضيءُ طريقَ الجيلِ في المحنِ


همُ الكبارُ كنوزُ الأرضِ، منْ حملوا

سرَّ الوجودِ بقلبٍ طاهرٍ حسنِ


منهمْ نشمُّ عبيرَ الأمسِ عاطرةً

ونستقي حكمةَ الأجدادِ في السننِ


جيلُ الشبابِ أتى ظمآنَ يرتشفُ

عطرَ الحياةِ، ويجني أطيبَ الثمنِ


أرضُ المجاردةِ الشماءِ قدْ حضنتْ

مساعيَ الخيرِ منْ سرٍّ ومنْ علنِ


وفي أجاويدَ أفعالٌ مباركةٌ

تهدي الحياةَ لأهلِ الفضلِ والمننِ


هذي المبادرةُ الغراءُ قدْ جمعتْ

روحَ الشبابِ بشيخٍ صادقٍ فطنِ


ليستمدَّ فتى الأيامِ منْ كبرٍ

روحَ اليقينِ ونبضاً غيرَ مرتهنِ


تعليقات

المشاركات الشائعة