التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الترجمة استعمارٌ ناعم: حين تُعيد اللغة تشكيل التفكير

تخيل أنك تقف في مكتبةٍ مزدحمة، تتصفّح كتابًا مترجمًا عن الإنجليزية، فتقرأ عبارةً تتحدّث عن   تحرر الفرد من قيود الجماعة . تومئ برأسك موافقًا، ثم تمضي. لم تنتبِه إلى أن العبارة لم تنقل إليك معنىً فحسب، بل نقلت معها   حمولة فكرية   و افتراضًا كاملًا   عن العلاقة بين الفرد والجماعة: عن كون الجماعة   قيدًا لا حضنًا ، وعن كون التحرر منها   مكسبًا لا خسارة . في تلك اللحظة الصامتة، حدث ما هو أعمق من القراءة: حدثت   إعادة ترتيب خفيّة   لطريقتك في رؤية الأشياء. هذا هو السؤال الذي كان يشغلني: هل الترجمة   فعلٌ بريء ، أم أنها   قناةٌ تتسلّل عبرها رؤى العالم ؟ ما الذي ينتقل حين ننقل الكلمة؟ ليست اللغة وعاءً للمعنى فحسب، بل هي   طريقةٌ أيضًا في رؤية العالم . وكلما انتقل النص من لسان إلى لسان، انتقل معه شيء من منظومته الثقافيّة و حمولته الفكرية ، وانتقلت معه   افتراضاته الخفيّة   التي لا تظهر في المعنى المباشر. ولهذا يمكن النظر إلى الترجمة، حين تُدار خارج   الوعي النقدي ، بوصفها نوعًا من   الاستعمار الناعم : استعمار لا يكتفي ب...

قصيدة أراعي الليل - حسن الشهري

 


تتجلى في لحظات السكون العميق حقيقة الإنسان أكثر مما تتجلى في صخب النهار؛ حين يهدأ العالم من حوله، وتنكفئ الأصوات، يجد المرء نفسه وجهاً لوجه أمام ذاكرته، لا يملك منها فكاكاً، ولا يستطيع لها دفعاً. هناك، في عتمة الليل، تستيقظ الذكريات كأنها كائنات حيّة، تعود لتطرق القلب بإلحاح، فتثير فيه ما خمد، وتوقظ ما ظنّه قد اندثر.

ولعل أشدّ ما يثقل الروح في تلك اللحظات، شعورٌ خفيّ بالغربة؛ لا غربة المكان، بل غربة النفس عن زمنها. أن يكون الإنسان في داره، بين مألوفاته، ثم يشعر أنه بعيد، كأن قلبه قد ارتحل إلى ماضٍ لا سبيل إلى استعادته. تلك هي الغربة الأشد وقعاً، حين يصبح الماضي وطناً، والحاضر منفًى لا يُرى.

ويأخذ الحنين في هذا السياق صورة مؤلمة؛ فهو لا يأتي عذباً كما يُتخيل، بل يحمل في طياته وخزاً خفياً. حين يستعيد المرء أيام شبابه، لا يستحضرها بوصفها ذكريات فحسب، بل يستشعر ما فقده منها، وما انقضى بلا رجعة. فتتحول الذكرى من ملاذ إلى سيف، ومن أنسٍ إلى وجع، ويغدو الدمع تعبيراً طبيعياً عن هذا الفقد المتراكم.

ومع امتداد العمر، يتبدل نظر الإنسان إلى الحياة. فما كان يرجوه بالأمس من اتساع الآمال وكثرة المنجزات، ينكمش اليوم إلى رغبة أكثر بساطة وعمقاً: راحة البال. تلك الراحة التي لا تُشترى، ولا تُنال بالسعي الخارجي وحده، بل هي حالة من التصالح مع الذات، وقبول لما مضى بما فيه، دون محاولة مستميتة لتغييره أو الندم عليه.

إن هذا التحول لا يعني انطفاء الرغبة في الحياة، بقدر ما يعكس نضجاً في فهمها. فالحياة، في حقيقتها، ليست سلسلة من اللحظات المثالية، بل مسار متداخل من الفقد والاكتمال، من الحضور والغياب. ومن يدرك ذلك، يتعلم كيف يخفف وطأة الذكرى، دون أن ينكرها، وكيف يأنس بالحاضر، دون أن يخاصم الماضي.

وهكذا، يبقى الليل شاهداً على هذا الصراع الصامت بين ما كان وما هو كائن؛ صراع لا يُحسم، لكنه يُهذّب الروح، ويمنحها قدرة على الاحتمال، حتى تبلغ تلك السكينة التي لا تأتي من تبدل الظروف، بل من سلامٍ داخلي يتشكل ببطء، ويستقر أخيراً في أعماق النفس، وقد قلت عند مروري بهذا الشعور:


أباتُ أراعي الليلَ والناسُ تهجعُ


وقلبي بطيفِ الذكرياتِ يروعُ


غريبٌ بداري والفؤادُ مسافرٌ


إلى زمنٍ ولى وروحي تفجعُ


أقلبُ أيامَ الشبابِ التي مضت


ويهطلُ دمعٌ من عيوني فيلسعُ


فغربةُ هذا العمرِ قيدٌ ووحشةٌ


وذكرى ليالي الأمسِ سيفٌ يقطعُ


وما عدتُ أرجو من زماني وأهلهِ


سوى راحةٍ في البالِ والنفسُ تقنعُ

تعليقات

المشاركات الشائعة