التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الملعب ليس مستويًا: المركزية الأوروبية في عالم الرياضة

مدخل حين يرفع لاعب الكأسَ في ملعب أوروبي، يُصفَّق له العالم. وحين يرفعها في مكان آخر، يبحث العالم عمّن يمنحه الاعتراف. هذا الفارق البسيط في نظرة الناس هو مدخلنا إلى سؤال أعمق: من يملك في الرياضة سلطة تعريف القيمة؟ حين يتأمل الباحث عالم الرياضة الحديثة لا يلبث أن يكتشف أن الأمر لا يتعلق بالموهبة وحدها، ولا بالعمل والإنجاز فقط، بل يتصل أيضًا بمن يملك سلطة التعريف، ومن يوزع الاعتراف، ومن يضع المعايير التي يصير الناس بعدها إلى مركز وهامش. فالرياضة العالمية، في صورتها المؤسسية والإعلامية، نشأت داخل فضاء غربي مهيمن، ثم تمددت إلى العالم كله وهي تحمل معها كثيرًا من تصورات هذا الفضاء عن القوة والتفوق والجدارة. ومن هنا لم يعد التحيز الغربي في الرياضة حادثة عابرة، ولا زلة خطابية معزولة، بل صار بنية تتكرر في الجوائز والبطولات والتغطيات والتصورات الذهنية. المشكلة لا تكمن فقط في أن أوروبا متقدمة تنظيميًا وماليًا، فهذا جزء من المشهد لا كله، بل في أن هذا التقدم يتحول في الخطاب السائد إلى دليل ضمني على أحقية أوروبا وحدها بقيادة المعنى الرياضي العالمي، وكأن بقية الأمم لا تدخل ساحة التقدير إلا بعد أن تنا...

قصيدة أراعي الليل - حسن الشهري

 


تتجلى في لحظات السكون العميق حقيقة الإنسان أكثر مما تتجلى في صخب النهار؛ حين يهدأ العالم من حوله، وتنكفئ الأصوات، يجد المرء نفسه وجهاً لوجه أمام ذاكرته، لا يملك منها فكاكاً، ولا يستطيع لها دفعاً. هناك، في عتمة الليل، تستيقظ الذكريات كأنها كائنات حيّة، تعود لتطرق القلب بإلحاح، فتثير فيه ما خمد، وتوقظ ما ظنّه قد اندثر.

ولعل أشدّ ما يثقل الروح في تلك اللحظات، شعورٌ خفيّ بالغربة؛ لا غربة المكان، بل غربة النفس عن زمنها. أن يكون الإنسان في داره، بين مألوفاته، ثم يشعر أنه بعيد، كأن قلبه قد ارتحل إلى ماضٍ لا سبيل إلى استعادته. تلك هي الغربة الأشد وقعاً، حين يصبح الماضي وطناً، والحاضر منفًى لا يُرى.

ويأخذ الحنين في هذا السياق صورة مؤلمة؛ فهو لا يأتي عذباً كما يُتخيل، بل يحمل في طياته وخزاً خفياً. حين يستعيد المرء أيام شبابه، لا يستحضرها بوصفها ذكريات فحسب، بل يستشعر ما فقده منها، وما انقضى بلا رجعة. فتتحول الذكرى من ملاذ إلى سيف، ومن أنسٍ إلى وجع، ويغدو الدمع تعبيراً طبيعياً عن هذا الفقد المتراكم.

ومع امتداد العمر، يتبدل نظر الإنسان إلى الحياة. فما كان يرجوه بالأمس من اتساع الآمال وكثرة المنجزات، ينكمش اليوم إلى رغبة أكثر بساطة وعمقاً: راحة البال. تلك الراحة التي لا تُشترى، ولا تُنال بالسعي الخارجي وحده، بل هي حالة من التصالح مع الذات، وقبول لما مضى بما فيه، دون محاولة مستميتة لتغييره أو الندم عليه.

إن هذا التحول لا يعني انطفاء الرغبة في الحياة، بقدر ما يعكس نضجاً في فهمها. فالحياة، في حقيقتها، ليست سلسلة من اللحظات المثالية، بل مسار متداخل من الفقد والاكتمال، من الحضور والغياب. ومن يدرك ذلك، يتعلم كيف يخفف وطأة الذكرى، دون أن ينكرها، وكيف يأنس بالحاضر، دون أن يخاصم الماضي.

وهكذا، يبقى الليل شاهداً على هذا الصراع الصامت بين ما كان وما هو كائن؛ صراع لا يُحسم، لكنه يُهذّب الروح، ويمنحها قدرة على الاحتمال، حتى تبلغ تلك السكينة التي لا تأتي من تبدل الظروف، بل من سلامٍ داخلي يتشكل ببطء، ويستقر أخيراً في أعماق النفس، وقد قلت عند مروري بهذا الشعور:


أباتُ أراعي الليلَ والناسُ تهجعُ


وقلبي بطيفِ الذكرياتِ يروعُ


غريبٌ بداري والفؤادُ مسافرٌ


إلى زمنٍ ولى وروحي تفجعُ


أقلبُ أيامَ الشبابِ التي مضت


ويهطلُ دمعٌ من عيوني فيلسعُ


فغربةُ هذا العمرِ قيدٌ ووحشةٌ


وذكرى ليالي الأمسِ سيفٌ يقطعُ


وما عدتُ أرجو من زماني وأهلهِ


سوى راحةٍ في البالِ والنفسُ تقنعُ

تعليقات

المشاركات الشائعة