التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الترجمة استعمارٌ ناعم: حين تُعيد اللغة تشكيل التفكير

تخيل أنك تقف في مكتبةٍ مزدحمة، تتصفّح كتابًا مترجمًا عن الإنجليزية، فتقرأ عبارةً تتحدّث عن   تحرر الفرد من قيود الجماعة . تومئ برأسك موافقًا، ثم تمضي. لم تنتبِه إلى أن العبارة لم تنقل إليك معنىً فحسب، بل نقلت معها   حمولة فكرية   و افتراضًا كاملًا   عن العلاقة بين الفرد والجماعة: عن كون الجماعة   قيدًا لا حضنًا ، وعن كون التحرر منها   مكسبًا لا خسارة . في تلك اللحظة الصامتة، حدث ما هو أعمق من القراءة: حدثت   إعادة ترتيب خفيّة   لطريقتك في رؤية الأشياء. هذا هو السؤال الذي كان يشغلني: هل الترجمة   فعلٌ بريء ، أم أنها   قناةٌ تتسلّل عبرها رؤى العالم ؟ ما الذي ينتقل حين ننقل الكلمة؟ ليست اللغة وعاءً للمعنى فحسب، بل هي   طريقةٌ أيضًا في رؤية العالم . وكلما انتقل النص من لسان إلى لسان، انتقل معه شيء من منظومته الثقافيّة و حمولته الفكرية ، وانتقلت معه   افتراضاته الخفيّة   التي لا تظهر في المعنى المباشر. ولهذا يمكن النظر إلى الترجمة، حين تُدار خارج   الوعي النقدي ، بوصفها نوعًا من   الاستعمار الناعم : استعمار لا يكتفي ب...

قصيدة رسيل يا بهجة الدنيا - شعر في الشوق لابنتي


 
في لحظات السفر، حين ينشغل الإنسان بترتيب حاجاته الظاهرة، قد تفاجئه أشياء صغيرة تختبئ بين تفاصيله، لكنها تحمل من المعنى ما يفوق كل استعداداته. فليست كل الأمتعة مما يُقصد حمله، بل بعضها يتسلل خفية، كأن الله يهيّئ في الطريق ما يوقظ الشعور، ويستدعي ما غاب عن الوعي.
وهكذا، قد يتحول ثوب صغير إلى حدثٍ كامل، لا لأنه قطعة قماش، بل لأنه محمّل ببراءةٍ حيّة، وذكرى نابضة. حين يعثر المسافر على أثر طفلته بين أشيائه، لا يرى الثوب كما هو، بل يراه امتداداً لروحها، وكأن الله ساق إليه هذا الأثر ليجدّد في قلبه معاني القرب، رغم البعد. في تلك اللحظة، تتبدل معاني الأشياء، فيغدو القريب بعيداً، ويغدو الغائب حاضراً بكل ثقله العاطفي.
إن براءة الأطفال تملك قدرة عجيبة على اختزال العالم في لمسة، أو رائحة، أو تفصيل صغير. ومن هنا، يصبح الأثر البسيط باعثاً لشعور جارف، يعيد تشكيل الذاكرة، ويستدعي صوراً متلاحقة من الحنان والدفء. فلا يعود الحنين مجرد فكرة، بل يتحول إلى حالة شعورية مكتملة، تتدفق في النفس حتى تكاد تُرى.
وفي الغربة، يتضاعف هذا الإحساس؛ إذ لا يقتصر البعد على المسافة، بل يمتد ليشمل الإحساس بالانفصال عن تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تمنح الإنسان توازنه. فيصبح القلب مسافراً حتى وهو ثابت، وتغدو الذكريات بديلاً مؤقتاً عن واقع لا يكتمل. وكلما مرّ المكان، أو تبدلت المشاهد، ظل الشوق ثابتاً، يتنقل مع صاحبه، ويعيد ربطه بما يحب، بإذن الله وتقديره.
ومن أصدق ما يكشفه هذا الشعور، أن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى حضور دائم ليبقى حياً؛ بل يكفيه أثر صغير ليشتعل من جديد. غير أن هذا الاشتعال لا يخلو من ألم، إذ يحمل في طياته وعياً بالفقد المؤقت، ورغبة ملحّة في استعادة القرب.
ولهذا، يتجه القلب في ختام هذه الرحلة الشعورية إلى الدعاء، بوصفه الملاذ الأصدق الذي يجمع بين الرجاء والافتقار. فحين تضيق الحيل، ويبقى الشوق معلقاً، لا يجد الإنسان أصدق من أن يرفع حاجته إلى الله، سائلاً اجتماع الشمل، ولمّ الشعث، وعودة الروح إلى موطنها، حيث تستقر، ويهدأ ذلك الاضطراب الذي أثارته الذكرى.
إنها تجربة إنسانية خالصة، تختصر معنى الأبوة، وصدق التعلق، وقسوة الغياب، وتؤكد أن أبسط الأشياء قد تحمل في داخلها أعظم المشاعر، وأن ما يجري في القلوب إنما هو بتدبير الله، ولطفه الخفي الذي لا يغيب.

أقلبُ الزادَ في حلي وفي سفري

فلاحَ ثوبٌ كطيفٍ زارَ في السحرِ

ثيابُ طفلتيَ الصغرى هنا سكنت

حقيبتي خلسةً من غيرِ منتظرِ

شممتُ فيها أريجا من براءتها


كأنها الروحُ قد عادت إلى البصرِ


فكادَ دمعي يسيلُ اليومَ من شجنٍ


والشوقُ يقدحُ في الأضلاعِ كالشررِ


رسيلُ يا بهجةَ الأيامِ في عمري


طالَ الغيابُ وطيفُ البعدِ لم يسرِ


في كلِ زاويةٍ من نجدَ أذكركم


والقلبُ يرحلُ والأشواقُ في الأثرِ


يا ربِ فاجمع شتاتَ الروحِ في عجلٍ


واختم فراقي لها بالوصلِ والظفرِ

تعليقات

المشاركات الشائعة