التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الترجمة استعمارٌ ناعم: حين تُعيد اللغة تشكيل التفكير

تخيل أنك تقف في مكتبةٍ مزدحمة، تتصفّح كتابًا مترجمًا عن الإنجليزية، فتقرأ عبارةً تتحدّث عن   تحرر الفرد من قيود الجماعة . تومئ برأسك موافقًا، ثم تمضي. لم تنتبِه إلى أن العبارة لم تنقل إليك معنىً فحسب، بل نقلت معها   حمولة فكرية   و افتراضًا كاملًا   عن العلاقة بين الفرد والجماعة: عن كون الجماعة   قيدًا لا حضنًا ، وعن كون التحرر منها   مكسبًا لا خسارة . في تلك اللحظة الصامتة، حدث ما هو أعمق من القراءة: حدثت   إعادة ترتيب خفيّة   لطريقتك في رؤية الأشياء. هذا هو السؤال الذي كان يشغلني: هل الترجمة   فعلٌ بريء ، أم أنها   قناةٌ تتسلّل عبرها رؤى العالم ؟ ما الذي ينتقل حين ننقل الكلمة؟ ليست اللغة وعاءً للمعنى فحسب، بل هي   طريقةٌ أيضًا في رؤية العالم . وكلما انتقل النص من لسان إلى لسان، انتقل معه شيء من منظومته الثقافيّة و حمولته الفكرية ، وانتقلت معه   افتراضاته الخفيّة   التي لا تظهر في المعنى المباشر. ولهذا يمكن النظر إلى الترجمة، حين تُدار خارج   الوعي النقدي ، بوصفها نوعًا من   الاستعمار الناعم : استعمار لا يكتفي ب...

أزمة الهوية الثقافية: بين الغالب والمغلوب في عصر العولمة

 

بين سطوة الغالب وهُوية المغلوب


كنتُ على متن الطائرة مُيمِّماً وجهي شطر السفر، وقد وطّنتُ نفسي على قراءة كتابٍ يصحبني في رحلتي، إلا أنَّ قدراً لطيفاً ساقني للجلوس بجوار شابٍ بادرني الحديث. بدأ الحوار حول بعض المنغصات في شركات الطيران، ثم ما لبثنا أن أبحرنا في عوالم شتى، انتهت بنا إلى ظاهرة “الاستعراض اللغوي” التي يمارسها بعض العرب؛ حين يتحدثون بالإنجليزية في سياقات لا تتطلب سوى العربية، وبين قومٍ لا يفقهون غيرها أو لا يحتاجون سواها.

زعمتُ لمحدثي أنَّ غالب هؤلاء قد أصابهم داء “الانبهار بالغرب”، وكأنما تجسدت فيهم مقولة العلامة ابن خلدون الخالدة: “إن المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب”، ولو كانت تلك الغلبة نفسية وهمية لا عسكرية واقعية.

لم نشعر بمرور الوقت حتى أعلن القائد وصولنا، فتودعنا وانقضى اللقاء. وكأن تلك اللحظات كانت مصداقاً لما ذهب إليه الدكتور ماريو لويس سمول (Mario Luis Small) في بحثه (Someone To Talk To)، حيث يرى أن الإنسان يميل للبوح للغرباء العابرين -كما في القطارات والطائرات- أكثر من غيرهم؛ طلباً للتخفف من أعباء اللوم الاجتماعي، أو بحثاً عن حلٍ محايد، أو مجرد رغبة في “الفضفضة” دون تبعات. وهي ظاهرة تفاقمت مع وسائل التواصل الاجتماعي، حيث بات البعض ينشر غسيل أفكاره ومشاعره للغرباء، معرضاً عن أهل بيته، مما ينذر بمخاطر اجتماعية وتربوية جسيمة.

وبالعودة إلى جوهر حديثنا عن “الانبهار”، قلتُ لرفيقي: إن هذا الولع بالرجل الأبيض وثقافته قد تسرب إلى لا وعي أبناء المسلمين، حتى صُبغت به مشاعرهم وأحزانهم. وأقرب شاهد على ذلك هو تلك المفارقة العجيبة في ذاكرتنا التاريخية؛ فنحن نتباكى بحرقة على “سقوط الأندلس”، بينما نكاد ننسى “سقوط الهند”!
مع أن حكم المسلمين للهند كان فعلياً وطويلاً، امتد لأكثر من ثمانية قرون (من عهد السلطان محمود الغزنوي 1001م حتى السقوط عام 1858م)، وهي مدة تضاهي حكم المسلمين للأندلس (من فتح طارق بن زياد 711م حتى السقوط 1492م). لكن المفارقة تكمن في أن الحزن عند النخبة المثقفة يتجه صوب الفردوس الأوروبي المفقود، بينما طويت صفحة الهند في زوايا النسيان، ولا أرى ذلك إلا أثراً من آثار تقديم “المعيار الأوروبي” حتى في توزيع حصص الألم والذاكرة.

إن تعلم اللغات الأجنبية -بلا شك- منقبة وفضيلة، وسلاحٌ يقي الإنسان مكر الآخرين ويفتح له مغاليق العلوم، لكن الإشكال يكمن في “الذوبان”؛ أن ينصهر المتعلم في بوتقة الثقافة الغربية مفتخراً بها، مستنكفاً عن لغته الأم. نرى ذلك جلياً في لافتات شوارعنا، حيث تتصدر الإنجليزية واجهات المطاعم والمقاهي في بلادٍ لسانها عربي، وكأن “الغربي” هو المعيار الأوحد للتحضر، نزن به ملابسنا، وتصاميم منازلنا، بل وحتى تصنيفاتنا السياسية والجغرافية (شرق أوسط، دول نامية، دول متقدمة)، فكلها معايير فُرضت علينا وفق رؤية الآخر.

والحق أن في تاريخنا الحديث نماذج مشرقة لرجال أتقنوا لغات القوم، وسبروا أغوار ثقافتهم، لكنهم جعلوها معولاً لهدم أصنام التبعية، لا جسراً للعبور نحو الذوبان.

من هؤلاء الأفذاذ، العلامة الدكتور عبدالله الطيب، صاحب “المرشد إلى فهم أشعار العرب”، الذي زلزل ببحثه “الفتنة بإليوت خطر على الأدب العربي” (مجلة الدوحة 1982م) أركان المدرسة الحداثية المتأثرة بتي. إس. إليوت، مفككاً سطوة هذا الشاعر الإنجليزي على جيل كامل من الشعراء العرب.

ومنهم المفكر الدكتور عبدالوهاب المسيري، الذي وظف إتقانه للغات الغربية لتشريح العقل الغربي والصهيوني، ناقداً حتى أدق التفاصيل كالانبهار بالرياضيين الأوروبيين. وكذلك الدكتور عبدالعزيز حمودة، الذي شرّح العقل الحداثي في ثلاثيته الشهيرة (المرايا المحدبة، والمرايا المقعرة، والخروج من التيه)، مستخدماً أدوات الغرب لنقد الغرب.

ومنهم البروفيسور عبدالمجيد الطيب عمر، والدكتور سعد البازعي، والدكتور خالد توفيق أستاذ الترجمة، وغيرهم كثر ممن كانت اللغات لهم سلاحاً ونافذة، لا قيداً ولا تبعية.

وتطول القائمة بأسماء قاماتٍ عرفت قدر “العربية” بعدما خبرت غيرها، فكانوا مصداقاً لقول الشاعر:
والضد يظهر حسنه الضد.

تعليقات

المشاركات الشائعة