التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الترجمة استعمارٌ ناعم: حين تُعيد اللغة تشكيل التفكير

تخيل أنك تقف في مكتبةٍ مزدحمة، تتصفّح كتابًا مترجمًا عن الإنجليزية، فتقرأ عبارةً تتحدّث عن   تحرر الفرد من قيود الجماعة . تومئ برأسك موافقًا، ثم تمضي. لم تنتبِه إلى أن العبارة لم تنقل إليك معنىً فحسب، بل نقلت معها   حمولة فكرية   و افتراضًا كاملًا   عن العلاقة بين الفرد والجماعة: عن كون الجماعة   قيدًا لا حضنًا ، وعن كون التحرر منها   مكسبًا لا خسارة . في تلك اللحظة الصامتة، حدث ما هو أعمق من القراءة: حدثت   إعادة ترتيب خفيّة   لطريقتك في رؤية الأشياء. هذا هو السؤال الذي كان يشغلني: هل الترجمة   فعلٌ بريء ، أم أنها   قناةٌ تتسلّل عبرها رؤى العالم ؟ ما الذي ينتقل حين ننقل الكلمة؟ ليست اللغة وعاءً للمعنى فحسب، بل هي   طريقةٌ أيضًا في رؤية العالم . وكلما انتقل النص من لسان إلى لسان، انتقل معه شيء من منظومته الثقافيّة و حمولته الفكرية ، وانتقلت معه   افتراضاته الخفيّة   التي لا تظهر في المعنى المباشر. ولهذا يمكن النظر إلى الترجمة، حين تُدار خارج   الوعي النقدي ، بوصفها نوعًا من   الاستعمار الناعم : استعمار لا يكتفي ب...

سُرِقتُ




 لم تُسرق مني قطعةٌ جهاز فحسب، بل انتُزع مني شيء من الطمأنينة التي كنت أعيشها في يومي وليلتي؛ شعرتُ كأن يدًا امتدت لتصل إلى ثقتي بالناس، وإلى صفاء ذهني الذي كنت أعيش في ظله آمنًا. رأيت في خيالي صورة ذلك الشاب الذي مدّ يد الجرم إلى ما لا يملك، لا يدري أنه إنما يسرق من مستقبله وأمنه قبل أن يسرق من متاع غيره، وأن خطوته تلك ليست مجرد مخالفة عابرة، بل طريق إلى المساءلة القانونية والعقوبة في بلد تحكمه الشريعة، وترعاه دولة أقامت للعدل بنيانه، وأحكمت للقانون سلطانه؛ في بلادٍ يكون فيها لمال المسلم حرمته، ولحقِّه مكانه، وعلى المعتدي حسابه، وكما قيل: على نفسها جنت براقش.

في اللحظات الأولى كان الحزن يضغط على صدري ضغطًا شديدًا بحيث التبست في نفسي مشاعر الغضب على ما فُقِد مع الشفقة على حال ذاك الشاب الذي أضاع شبابه في نفقٍ مظلم، والغيظ من جرأته على المال الحرام، والخوف عليه – مع ذلك – من أن يمضي بقية عمره يعض أصابع الندم بعد محاسبته على أخطاء كان يستطيع أن يجتنبها. ومع هذا الألم كنت أتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (رواه مسلم). كنت أقول في نفسي: إن استطعت أن أكون هذا المؤمن، فلن تخرج هذه الحادثة عن أن تكون لي خيرًا في باطنها، وإن آلمتني في ظاهرها.  

وتذكرت من شعر الإمام الشافعي ما يواسي القلب عند جريان الأقدار، من قصيدته «دع الأيام تفعل ما تشاء»:  

دَعِ الأَيّامَ تَفْعَلُ مَا تَشَاءُ  

وطِبْ نَفْسًا إِذَا حَكَمَ القَضَاءُ  

وَلا تَجْزَعْ لحَادِثَةِ اللَّيَالِي  

فَمَا لِحَوَادِثِ الدُّنْيَا بَقَاءُ  

لم أرضَ أن أستسلم لمرارة اللحظة، ولا أن أترك الظلم يمرّ دون موقف؛ عزمت على اتخاذ الإجراءات النظامية التي تكفل حق المظلوم، وتحفظ هيبة العدل، من غير فوضى في القول أو العمل، ولا تجاوزٍ لحدود ما أذن به الله ورسوله، يقول Martin Luther King:  

«Injustice anywhere is a threat to justice everywhere.»  

ومعنى كلامه: (الظلم في أي مكان هو تهديد للعدالة في كل مكان).  

بينما كنت أقاوم غليان الغضب، استحضرت ما أمر الله به عباده عند المصائب فقلت: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، واستحضرت قول الله تعالى:  ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

فاستقر في نفسي أن ما كتب الله لي كائن لا محالة، وأن الإيمان عند البلاء سبيل لهداية القلب وسكينته.  

تذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من عبدٍ تُصيبه مصيبةٌ فيقول: إنا للهِ وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها، إلا أجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها» (رواه مسلم). أرجو الله أن يكتب لنا من هذا الوعد نصيبًا، وأن يكون ما بعد الحادثة خيرًا مما قبلها، فكأن الألم يوقظ القلب ليعود إلى ربه من جديد.  

وعلى مقربةٍ من جو الشعور المؤلم، تذكرت أبياتًا للجواهري، ذلك الشاعر المتوجع قال فيها:

لَمْ يَبْقَ عِنْدِي مَا يَبْتَزُّهُ الْأَلَمُ  

حَسْبِي مِنَ الْمَوْحِشَاتِ الْهَمُّ وَالْهَرَمُ  

لَمْ يَبْقَ عِنْدِي كَفَاءَ الْحَادِثَاتِ أَسًى  

وَلَا كَفَاءَ جِرَاحَاتٍ تَضجُّ دَمُ  

يالله كيف للمرء أن يصل إلى حدّ الإنهاك الذي يميت شعوره وإحساسه بالألم؟!

بعد ما حدث لجأت إلى دوائي القديم الذي أعرف أثره في روحي: خرجت إلى عالم المكتبات التي اعتدت ارتيادها في الرياض بين فينة وأخرى؛ تلك العوالم المصفوفة بالكتب، هناك بين رفوف تعجّ بكتب الشريعة،و الفكر والثقافة، واللغات الأخرى شعرت أن بنائي النفسي الداخلي يتماسك؛ فالعلم يعيد ترتيب الفكرة في الذهن كما يعيد ترتيب السكينة في القلب، مما يجعلك تنظر إلى الواقعة بمنظار القضاء والقدر والحكمة والابتلاء، لا بمنظار الخسارة المادية وحدها.  

ما إن رأيت الكتب حتى شعرت أن شيئًا في داخلي تبعث فيه الحياة لينمو من جديد، وبينما كنت أتجول بين رفوف الكتب في مكتبة “المُحدّث”، رأيت كتاب ((تأمل تُدرك: من رحيق القراءة والفكر والذاكرة)) للشيخ طلال بن علي الجابري، و لقد كان شرائي لهذا الكتاب لحظةَ تعزيةٍ وتسليةٍ، كأن الله ساقه لي في الوقت المناسب ليضمّد جرحًا أسهرني ليلتين والله المستعان.

عندما زرت بعض المكتبات شعرت أن عالمي أوسع من حادثة سرقة عابرة، وأن ما يُبنى في داخلي هنا أعظم بكثير مما أُخذ هناك. تذكرت عندها بيت المتنبي الشهير الذي صار مثلًا بين الناس:  

أَعَزُّ مَكَانٍ فِي الدُّنَا سَرْجُ سَابِحٍ  

وَخَيْرُ جَلِيسٍ فِي الزَّمَانِ كِتَابُ  

هذه الرفوف ليست خشبًا وورقًا، بل صحبة صامتة في ظاهرها ضجيج عذب باطنها.

وفي كل مرة يعود فيها طيف الحزن ليطرق باب قلبي، أتذكر قول أمير الشعراء أحمد شوقي في حب الكتب وصحبتها:  

أَنَا مَن بَدَّلَ بِالكُتْبِ الصِّحَابَا  

لَمْ أَجِدْ لِي وَافِيًا إِلَّا الكِتَابَا  

وقريب منه قول Ernest Hemingway:  

«There is no friend as loyal as a book.»  

ومعنى ماقاله: (لا يوجد صديقٌ وفيّ كالكتاب).  

حبيبي الغالي: إن خانتك يد إنسان، فلن يخونك كتاب نافع، وإن ضايقك موقف عابر، فلن يضيّق صدرك مجلس علم أو لحظة صفاء مع كلام الله وكلام رسوله وأهل الحكمة.  

كلما ذكرت السارق، قلت في نفسي: أسأل الله أن يهديه، فإن من أخذ أموال الناس بغير حق لم يُبارك له فيها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن أَخَذَ أموالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عنه، ومَن أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» (رواه البخاري). فأدعو أن يكون ما اقترفه من جرم سببًا لرجوعه إلى الله.

أخيرًا أخي وحبيبي: 

إن أصابك حزن بسبب مظلمة أو أذًى فهذه وصيةٌ من قلبٍ جرّب ما جرّبت:  

– أول ما ينبغي أن تصنعه أن تفرّ بقلبك إلى الله، لا أن تفرّ منه؛ قل عند المصيبة بصدق: «إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها»، فإن الله وعد على لسان نبيه أن من قالها أبدله خيرًا، وأجره في مصيبته.  

– تذكّر أن أمرك كله خير ما دمت مؤمنًا؛ إن أصابتك سراء شكرت، وإن أصابتك ضراء صبرت، فلا تجعل البلاء يطرد برد اليقين من قلبك. 

– احفظ لسانك من كلمات السخط، وجوارحك من تصرفات الغضب والاندفاع؛ فلا تجعل مصيبتك في دينك فوق مصيبتك في دنياك؛ ولذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ولا تجعَلْ مُصيبتَنا في دينِنا»، واتخذ كل إجراء نظامي مشروع يردّ عنك الظلم، ويصون حقك، ويمنع المعتدي من العودة لظلمه؛ فهذا من شكر نعمة العدل، ومن التعاون على البر والتقوى.  

– حذار ثم حذار ثم حذار أن تُسلِّم قلبك للفراغ، بل املأ وقتك بالقرآن، والصلاة، وطلب العلم، ومجالسة الكتب، ومصاحبة الصالحين والعقلاء، وتفريج كرب المؤمنين ما استطعت، فإن من نفّس عن مؤمن كربة نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة.  

– تذكر أن ما عند الله خيرٌ وأبقى، فربما لو علمت معنى الألم، و ماوراء المحن من منح وعطايا لمن صبر – ولو جرى الدمع من عينك – لقلت : الحمد لله الذي يجبر بعد الكسر، ويضحك بعد البكاء، ويُخرج من جوف البلاء أعظمَ العطاء.

حسن بن عاطف الشهري 

صبح الجمعة 28 /6/ 1447هـ

تعليقات

المشاركات الشائعة