مميزة
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
تجديد الإيمان: رحلة الروح نحو القرب من الله
الحال المرتحل مع القرآن ليس لقبا عابرا، بل نعت روح آوت إلى كلام الله، فما إن تبلغ خاتمة المصحف حتى تستفتح فاتحته، كالمسافر إذا بلغ منزلا استراح قليلا ثم شد راحلته إلى منزل آخر، فلا تزال رحلته دائرة بين الحلول والارتحال، وبين الختم والابتداء، حتى يصير القرآن عنده رفقة الطريق لا زينة الرف .
وقد اشتهر بين الناس حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- قال: قال رجل :(( يا رسول الله: أي العمل أحب إلى الله، قال: الحال المرتحل، قال: وما الحال المرتحل، قال: الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حلَّ ارتحل)). رواه الترمذي في سننه والحاكم في المستدرك والطبراني في المعجم الكبير والدارمي في السنن والبيهقي في شعب الإيمان، وقد ضعَّفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة وضعيف الجامع الصغير.
فسر الحديث بأنه الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حل ارتحل، يشبه القارئ بالمسافر يبلغ المنزل فيحل ثم يفتتح السير من جديد؛ وإن كان الحديث لا يثبت سندا، إلا أن المعنى صحيح: من ملازمة التلاوة، وتعقيب الختمة بأخرى، وأن لا ينقطع العبد عن كتاب الله طويلا.
وكأنهم يعلنون أن صحبة القرآن ليست مشروع موسم ولا برنامج رمضان، بل سير دائري لا تنقطع فيه أنفاس التلاوة، كلما انقضى شوط افتتحوا الذي يليه، وكلما أطفأوا مصباح الختمة أوقدوا سراج البداية، حتى يصير العبد مقيما في ظلال الوحي وإن كان يتحول بين سوره وآياته. ولا يفصل بين ختماته زمانا طويلا، ليبقى القلب موصول الحبل بالقرآن، لا يذوق غربة الانقطاع ولا وحشة الهجر.
وإذا تأملت في سير السلف رأيت أن الحال المرتحل ليس مجرد تتابع صفحات، بل هو مقام قلوب تتقلب في معاني القرآن كما تتقلب الأقدام في منازل السفر. فهذا الفضيل بن عياض – رحمه الله – يقول عن ليلته مع القرآن: «إني لأستقبل الليل من أوله فيهولني طوله، فأفتتح القرآن فأصبح وما قضيت نهمتي»، فلا يذكر عدد ختم ولا مقدار أجزاء، بل يصف نهمته التي لا تنقضي، كأن القرآن بحر يفتح له كل ليلة أفقا جديدا، فإذا بلغ شاطئ الختم وجد نفسه أمام بحر آخر اسمه: «بداية ختمة جديدة». وانظر إلى ابن مسعود – رضي الله عنه – إذ يسمع له دوي بالقرآن في جوف الليل «كدوي النحل»، لا تنقطع تلاوته حتى يصبح، فهو في حال دائمة من الحلول في آيات والارتحال إلى غيرها، حتى غدا القرآن وصفا لليله لا عمل ساعة من ساعاته. وهذه حكاية عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يمر بالآية من ورده بالليل فيسقط، حتى يعاد منها أياما كثيرة كما يعاد المريض، فالحال المرتحل عنده ليس في عدد الختمات، بل في أن القلب يحل عند آية ويقيم عندها أياما، لا يرتحل عنها حتى يأخذ زاده من الخوف والرجاء والعزم.
هذا اللون من الصحبة يجعل المؤمن يتقلب مع القرآن خلال اليوم والليلة في أحوال شتى؛ يقرؤه في صلاته، ويتلوه في خلوته، ويردده في طريقه، كأن كل موضع من وقته منزل من منازل هذا السفر المبارك. في النهار ربما قرأ حزبه تدبرا و تمهلاً، يرتل الآيات تباعا، فإذا أقبل الليل فتح باب القيام، فصار حاله مع القرآن حال تاجر لا يمل من الربح، كلما أغلق دفترا فتح آخر. فالعبد لا يزال يرتقي في منازل الإيمان بقدر دوام صحبته لكتاب الله تلاوة وتدبرا وعملا، لا بمجرد ختمات سريعة تخلو من وقود التفكر. ومن هنا كان بعضهم يخشى من الإكثار العددي الذي يذهب الخشوع، حتى قال عبد الله بن عمرو: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث»؛ لأن الحال المرتحل ليس سباقا في عدد الدوران حول المصحف، وإنما هو دوام عودة حقيقية إلى المعاني، بحيث تعود إلى السورة وقد تغيرت أنت، فتجدها جديدة على قلبك وإن حفظتها منذ الصبا.
وللحال المرتحل وجه آخر في ساحات العمل، فليس المقصود أن يلف العبد المصحف من الفاتحة إلى الناس ثم يقف، بل أن يقطع هذا الطريق مرة بعد أخرى، وكل شوط يزيده فقها ونورا، حتى يصير حاله كحال من وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار»، حتى يتحول القرآن من نص يقرأ إلى وصف الصحبة، يرى أثره في عينه وسمته وأخلاقه. هنا يتجلى معنى الحال المرتحل في الحياة كلها؛ يفتتح العبد يومه بآيات من الوحي، فينطلق في عمله على ضوء ما قرأ، فإذا اعترضته شهوة استحضر وعيد الآيات، وإذا عرضت له شبهة عاد إلى محكم القرآن، فهو في سيره في الأسواق والوظائف وبين أهله حال في معاني السور، مرتحل من موعظة إلى أخرى.
تأمل – رعاك الله – أن هذا السير المتصل مع القرآن ينبت في القلب طمأنينة لا يعرفها المقطوعون عن كتاب الله؛ إذ يصبح القرآن عند الحال المرتحل بمثابة خريطة يومية، يراجع بها خطاه، ويصحح بها مساره، ويداوي بها جراح قلبه الصغيرة قبل أن تستفحل. فإذا ضغطت الدنيا بضجيجها واستطال الليل بملهياته، كان هذا العبد قد أخذ عهدا على نفسه: ألا يغلق المصحف إلا على وعد عودة قريبة، وألا تمر عليه أيام يطول فيها الفاصل بين ختماته، حتى لا يبرد حبل المودة بينه وبين كلام ربه. ومن هنا كان من أعظم الغبن أن يتحول القرآن في حياة المسلم إلى موسم يقبل عليه في رمضان ثم يهاجر سائر العام، أو إلى مشروع ختمة واحدة تقرأ بحماس البدايات ثم لا يعقبها ارتحال، فهذا ليس حالا مرتحلا، بل زائرا عابرا.
إن سرّ هذا الحال المرتحل يكمن في أن القرآن ليس كتابًا يُقرأ للمعرفة فحسب، بل هو مأدبة كما ورد في الأثر. وهل رأيت جائعًا يغادر المأدبة وهو لا يزال يجد فيها أصنافًا لم يذقها بعد؟ إن القارئ المتدبر يدرك يقينًا أنه مهما كرر الختمات، فإن القرآن غضٌّ طري، وفي كل “ارتحال” جديد سيكتشف كنوزًا لم يرها في “حُلوله” السابق.
وهكذا فالحال المرتحل مع القرآن هو ذلك العبد الذي جعل من كتاب الله وطنه وإن كان يرتحل بين سوره، فلا يزال يحل في آيات الوعد فينتعش قلبه، ثم يرتحل إلى آيات الوعيد فتسيل دموعه، ثم يحل في قصص الأنبياء فيستحي أن يتخلف عن ركابهم، ثم يرتحل إلى آيات الأحكام فيراجع سلوكه وأعماله، ثم يعود من آخر المصحف إلى أوله كمن يعود من سفر طويل إلى بيت لا يمل من الرجوع إليه. هذا العبد إذا نظرت إلى أيامه وجدتها سلسلة من تلاوات متتابعة، وإذا فتشت في ليله رأيته يقوم من فراشه كأن آيات القرآن هي التي توقظه.
فهنيئًا لمن كان مصحفه رفيقه، وختمته مشروعه، لا يغلق بابًا منه إلا ليفتح آخر، يتقلب في نعيم الآيات، حالًّا في رياض التدبر، مرتحلًا في مقامات العبودية، حتى يلقى ربه وهو على تلك الحال.
المشاركات الشائعة
التوكل على الله وعناية الله بالعبد: قصة تأمّل
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
رثاء وداعاً زاهر: مرارة الفقد ووجع الفراق
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى

تعليقات
إرسال تعليق