التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الترجمة استعمارٌ ناعم: حين تُعيد اللغة تشكيل التفكير

تخيل أنك تقف في مكتبةٍ مزدحمة، تتصفّح كتابًا مترجمًا عن الإنجليزية، فتقرأ عبارةً تتحدّث عن   تحرر الفرد من قيود الجماعة . تومئ برأسك موافقًا، ثم تمضي. لم تنتبِه إلى أن العبارة لم تنقل إليك معنىً فحسب، بل نقلت معها   حمولة فكرية   و افتراضًا كاملًا   عن العلاقة بين الفرد والجماعة: عن كون الجماعة   قيدًا لا حضنًا ، وعن كون التحرر منها   مكسبًا لا خسارة . في تلك اللحظة الصامتة، حدث ما هو أعمق من القراءة: حدثت   إعادة ترتيب خفيّة   لطريقتك في رؤية الأشياء. هذا هو السؤال الذي كان يشغلني: هل الترجمة   فعلٌ بريء ، أم أنها   قناةٌ تتسلّل عبرها رؤى العالم ؟ ما الذي ينتقل حين ننقل الكلمة؟ ليست اللغة وعاءً للمعنى فحسب، بل هي   طريقةٌ أيضًا في رؤية العالم . وكلما انتقل النص من لسان إلى لسان، انتقل معه شيء من منظومته الثقافيّة و حمولته الفكرية ، وانتقلت معه   افتراضاته الخفيّة   التي لا تظهر في المعنى المباشر. ولهذا يمكن النظر إلى الترجمة، حين تُدار خارج   الوعي النقدي ، بوصفها نوعًا من   الاستعمار الناعم : استعمار لا يكتفي ب...

حائط من حروفٍ دامعة

 

حائط من حروفٍ دامعة

بسم الله وبه أستعين:

يقف كتاب «حائط المبكى: قصة الحرف الغريب» في زاويةٍ دافئة من مكتبة الروح، كجدارٍ من نورٍ ودمع؛ جدارٍ لا يُبنى من حجارةٍ صمّاء، بل من آهات الحبر وهمس الأوراق. فلا يجيء القارئ إليه متفرِّجًا، بل صاحبَ وجعٍ يفتّش عن مكانٍ يعلّق عليه أحزانه.


هنا تمتدّ اليد إلى الصفحات، ويمتدّ معها القلب إلى قلب أديبٍ يمنيٍّ رأى أن الحرف وطنٌ يُلجأ إليه حين تضيق المنافي، وأن الورق يمكن أن يتحوّل إلى حائط مبكى يُسند إليه الرأس ساعة الانكسار. هذا العمل ليس رزمة أوراقٍ تُقلَّب، بل حائط اعترافٍ طويل، تُعلَّق عليه الخيبات والآلام؛ فكل سطرٍ فيه مسمارٌ صغير تُعلَّق عليه ذكرى موجعة، وكل فقرة تمثالٌ من دمعٍ جافّ ينتظر أن يبتلّ من جديد كلّما قرأه قلبٌ آخر.
الحرف في هذا الكتاب ليس نقطةً ساكنة على السطر، بل كائنٌ منفيّ، غريب الوجه واللسان، يجرّ وراءه سلاسل التجارب الإنسانية في اليمن والعالم العربي، ويتوكّأ على عصا الألم كي ينهض من ركام الحياة، فيبدو كمسافرٍ أرهقته المطارات، لكنه لا يزال يحمل في جيبه تذكرةً مؤجَّلة إلى وطنٍ لا يعرف متى يصل إليه.

يكتب خالد بريه في هذا العمل كما يكتب الجريح في معركة الحياة على جدار غرفة الرحيل؛ الجملة عنده نَفَسٌ متقطّع، والصورة لمعةُ عينٍ تتهيّب البكاء ثم تستسلم له. فتجيء نصوصه في هيئة تأمّلاتٍ ويومياتٍ واعترافات، لكنها تُخفي تحت ثوبها الهادئ قلبًا مفعمًا بالأسئلة الكبرى. يبدو كل مقطعٍ كنافذةٍ تُفتح على عاصفة، وكل استعارةٍ كبرقٍ خاطف يكشف ما وراء ظلام التجربة من تضاريس الروح الموجوعة، حتى يغدو الكتاب أشبه بمذكّرات قلبٍ لا مذكّرات عقل، وبطريقة اعترافٍ مكتوب لا اعترافٍ منطوق. وكأن بريه يردّد صوت الشاعر اليمني الكبير عبدالله البردوني في قصيدته «من منفى إلى منفى»، حيث يقول:

بلادي في ديار الغير
أو في دارها لهفى
وحتى في أراضيها
تقاسي غربةَ المنفى

هذه الأبيات تُلخّص المنفى كحالةٍ داخلية دائمة، تتجاوز الحدود الجغرافية لتصبح غربةً وجدانية، مشابهةً تمامًا لـ«الحرف الغريب» الذي يعيشه خالد.

اختار بريه لكتابه عنوان «حائط المبكى» وهو يعلم ما يحمله هذا الاسم من ظلال التاريخ والسياسة والجغرافيا، لكنه ينتزع الجدار من موضعه الضيّق في الوعي العام ليقيم له مقامًا أوسع في وجدان الإنسان؛ فالجدران كلّها تتشابه حين تُثقَل بالدموع، والخرائط كلّها تتلاشى حين تنتقل المعركة من حدود الأرض إلى حدود القلب.
يصبح الحائط هنا جدارًا في روحٍ يائسة، لا في مدينةٍ محاصرة. من أراد أن يرجم يأسه بحجر، فليرجمه هنا بحرف؛ ومن أراد أن يودِع أسراره صندوقًا أمينًا، فليرسلها إلى هذا الجدار المكتوب. وهكذا يغدو العنوان معبرًا من السياسة إلى أعماق الوجدان، ومن الجدار الحجري إلى الجدار الورقي الذي تتكفّل به يد الكاتب وقلب القارئ معًا.

وأما «قصة الحرف الغريب» فليست مجرّد وصفٍ ثانويٍّ يزيّن الغلاف، بل مفتاحٌ سريٌّ لروح الكتاب كلّه؛ فالحرف غريب لأن اللغة منفية، وغريب لأن صاحبه يعيش شعور المنفى الطويل الممتدّ من طفولة اليمن الحزين إلى استقراره في تركيا. يتحدّث عن الحرف كأنّه شخصٌ وحيد في قاعة انتظار القدر، ينظر إلى اللوحة المعلّقة في أعلى الزمن، لا يدري أيّ قطارٍ سيصل أولًا: قطار الخلاص أم قطار الفجيعة، وأيّ تذكرةٍ ستُقطَع له: تذكرة عودةٍ أم تذكرة إبعادٍ جديدة.


هكذا يتحوّل الحرف إلى مرآةٍ للإنسان المقهور، والمنفى اللغوي إلى استعارةٍ عن المنفى الوجودي، فيتماهى القارئ مع «الحرف الغريب» لأنه يرى فيه نفسه، لا شخصيةً بعيدة عنه

لغة المؤلف في هذا العمل لغةٌ تتوضّأ بالحبر قبل أن تكتب، وتستحي قبل أن ترفع صوتها؛ جُمَلٌ قصيرة، لكنها مشدودة الأعصاب، كأنّ كل كلمةٍ عودٌ في قوسٍ موتر إلى غايته، وأيّ خروجٍ عن الاقتصاد في اللفظ يُعدّ إسرافًا في الدم لا في الحبر. تمتزج في هذه اللغة نفحاتُ الدراسات الشرعية والقرآنية التي تشبّع بها الكاتب مع حسّه القصصي والأدبي الذي صقلته تجربته في القصة والمقال، فينساب النثر على الصفحة كأنّه تلاوةٌ حزينة في جوف ليلٍ طويل؛ لا وعظًا مباشرًا، لكن القارئ يجد نفسه في منطقة مكاشفةٍ قسرية، أمام مرآةٍ من كلماتٍ لا تعكس ملامحه فحسب، بل تجاعيد أيامه أيضًا. وحين يستدعي الكاتب صور المنفى واليأس والخراب، لا يغلق الأبواب كلّها، بل يترك في آخر الممرّ بقعةً من نور، كخطٍّ رفيع من بياض الورقة يقطع سواد المداد، وكأن الرسالة الضمنية أن القدرة على الألم هي عين القدرة على الرجاء، وأن الحرف ما دام حيًّا فلن تموت إمكانية العزاء.

وخلف هذا الحائط، في الجهة الأخرى من الورق يقف كاتبٌ يحمل في قلبه شيئًا من ملوحة الساحل وجفاف الهضبة معًا. لم يكتفِ بأن يكون أديبًا بالفطرة، بل سار في طريق العلم الشرعي والدراسة الأكاديمية حتى نال درجة الماجستير، ومضى في درب الدراسات القرآنية، جامعًا في شخصٍ واحد بين دقّة الباحث الأكاديمي ورهافة الأديب. فهو عضو في اتحاد أدباء وكتّاب اليمن، لكن عضويته الأعمق في نادٍ غير مكتوب: نادٍ يضمّ أولئك الذين آلمهم مشهد بلادهم، وآلمهم مشهد الإنسان في هذا العصر، فاختاروا أن يحوّلوا الألم إلى نصّ بدل أن يتركوه يتحلّل في العتمة.


تتشعّب مسيرة خالد بين القصة والنصّ النثري والبحث الأكاديمي؛ من مجموعته القصصية «اغتيال الربيع»، إلى «حائط المبكى: قصة الحرف الغريب» الذي يشيّد جدارًا للبوح، إلى أعمالٍ أخرى مثل «مسودة المنفى»، و «سطوة البيان الخالد»، و«رملة كنتُ جنينَ ركامها»، و«بخيطٍ من حبر». فغدا اسمه حاضرًا في معارض الكتب وفهارس دور النشر وعلى أرفف القرّاء الذين يبحثون عن نصوصٍ تكلّم آلامهم بلغةٍ رفيعة، لا تفرّ من الواقع ولا تذوب فيه. ولم يرضَ أن يبقى صوته حبيس الورق، فامتدّ إلى فضاءات الثقافة العامة عبر منصّاتٍ ومشاريع مثل «حِكمة يمانية»، وبعض المقالات المنشورة في فضاءاتٍ عربية معاصرة، وعددٍ من اللقاءات المرئية هنا وهناك، فصار صوت خالد يحدّث العالم لا من موقع الشكوى العاجزة، بل من موقع الشاهد الذي يضع إصبعه على الجرح ثم يكتبه.

أخيرًا: حين يفتح القارئ هذا الكتاب، لا يفتح مجرّد عملٍ نثري صدر عن دار نشر في سنةٍ معيّنة، بل يفتح نافذةً على روح كاتبٍ حمل همّ بلاده على ظهر الحرف، وأراد أن يحوّل سطور الورق إلى حائط مبكى جديد؛ يبكي معه القارئ قليلًا، ثم ينهض عنه أكثر انتباهًا إلى أن الحرف يمكن أن يكون نوعًا من الفداء، وأن الأدب — حين يُكتب من أقصى القلب — يصبح صلاةً صامتة في محراب الإنسان.

حسن بن عاطف الشهري 

ليلة الأحد 29 جمادى الآخر 1447هـ

تعليقات

المشاركات الشائعة