الترجمة استعمارٌ ناعم: حين تُعيد اللغة تشكيل التفكير
تخيل أنك تقف في مكتبةٍ مزدحمة، تتصفّح كتابًا مترجمًا عن الإنجليزية، فتقرأ عبارةً تتحدّث عن تحرر الفرد من قيود الجماعة. تومئ برأسك موافقًا، ثم تمضي. لم تنتبِه إلى أن العبارة لم تنقل إليك معنىً فحسب، بل نقلت معها حمولة فكرية وافتراضًا كاملًا عن العلاقة بين الفرد والجماعة: عن كون الجماعة قيدًا لا حضنًا، وعن كون التحرر منها مكسبًا لا خسارة. في تلك اللحظة الصامتة، حدث ما هو أعمق من القراءة: حدثت إعادة ترتيب خفيّة لطريقتك في رؤية الأشياء.
هذا هو السؤال الذي كان يشغلني: هل الترجمة فعلٌ بريء، أم أنها قناةٌ تتسلّل عبرها رؤى العالم؟
ما الذي ينتقل حين ننقل الكلمة؟
ليست اللغة وعاءً للمعنى فحسب، بل هي طريقةٌ أيضًا في رؤية العالم. وكلما انتقل النص من لسان إلى لسان، انتقل معه شيء من منظومته الثقافيّة وحمولته الفكرية، وانتقلت معه افتراضاته الخفيّة التي لا تظهر في المعنى المباشر.
ولهذا يمكن النظر إلى الترجمة، حين تُدار خارج الوعي النقدي، بوصفها نوعًا من الاستعمار الناعم: استعمار لا يكتفي باحتلال الأرض، بل يسعى إلى احتلال المفاهيم أولًا. وقد سبق ابن خلدون إلى تشخيص هذا الميل النفسي العميق حين قرر أن المغلوب مولعٌ أبدًا بالاقتداء بالغالب. أما أحمد حسن الزيات فقد سمّى هذه الظاهرة بالـالاحتلال اللغوي للدلالة على استيلاء لغة المستعمر على الثقافة المحلية، مما يؤدي إلى تآكل الهوية اللغوية والفكرية.
دعني أضرب أمثلةً ملموسة، لأن الفكرة العامة لا تتّضح إلا في مفرداتها:
١/ مصطلح progress
مصطلح progress الذي صرنا نتداوله بوصفه حقيقةً بدهية ليس وصفًا محايدًا، بل فكرة تاريخية نشأت في الحداثة الأوروبية، وتقوم على تصوّر خطّي للزمن يفترض أن البشرية تسير قُدُمًا في مسار واحد صاعد. وقد بُنِيَ عليه فلسفات كاملة من هيغل إلى كونت إلى ماركس، جميعها تفترض أن التاريخ له اتجاه ومعنى ومسار تصاعدي يمكن قراءته.
إذا تبنّينا الكلمةَ بلا فحص، صار تاريخنا كلّه في ميزانها تأخّرًا، لا مسارًا مختلفًا له منطقُه. وصار كل ما لم يسِر في الخطّ ذاته متخلّفًا بالضرورة. وهذا تحكم هائل في الذاكرة الجمعيّة يجري عبر كلمة من ثلاثة مقاطع. المشكلة ليست في الاعتراف بوجود تغيّر أو نمو، بل في تحويل التغيّر إلى حكم قيمي ثابت: كل ما يوافق المسار الأوروبي الحديث يُعدّ تقدمًا، وما سواه يُوصف بـالتأخر.
بهذا المعنى تصبح الكلمة أداة ترتيب للذاكرة، لا مجرد تسمية محايدة للوقائع.
٢/ كلمة individualism
كلمة individualism التي تُترجم إلى الفردانيّة لا تعني في أصلها مجرّد الاعتناء بالفرد، بل تحيل إلى مسار طويل من تحرير الذات الغربيّة من سلطة الكنيسة والجماعة والتقاليد. هي إذن ثمرةُ معركة بعينها، لا قيمة مطلقة.
إذا نُقلت إلى العربيّة بوصفها فضيلةً صافية، صارت في بعض الخطابات تمجيدًا للانفصال عن الأسرة والمجتمع، وكأنّ النضج النفسيّ يعني بالضرورة الانعتاق من كلّ رابطة. والحال أنّ الذات في تصوّرنا ليست جزيرةً معزولة، بل عضوٌ في نسيج. ومن قرأ الحديث الذي في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ. مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى»، أدرك أنّ ثمّة أنطولوجيا أخرى للذات، لا تَرى في الرابطة قيدًا، بل تكوينًا.
أما في التصور الإسلامي فالذات ليست ذرة معزولة، بل كائن أخلاقي-اجتماعي يتكوّن بالعبودية لله وبالانتماء إلى جماعة المؤمنين والرحم والمجتمع. والحرية بوصفها قدرة على الاختيار وتحمل المسؤولية، تختلف عن الفردانية بوصفها تصورًا يجعل الاستقلال عن كل رابطة هو الغاية الأعلى.
٣/ مصطلح secularism
مصطلح secularism الذي تُرجم إلى العلمانية نشأ في أوروبا داخل صراع تاريخي خاص مع المؤسسة الكنسيّة، وتشكّل في سياق حروب دينية عديدة انتهت إلى صيغة لإدارة العلاقة بين الكنيسة والدولة. هذا المعنى ليس كونيًا، بل محليّ بامتياز.
غير أنّ المصطلح حين انتقل إلى العربية تجرّد من تاريخه، فتلقّاه بعض المثقّفين بوصفه وصفًا محايدًا للتقدّم، لا موقفًا مخصوصًا من الدين. وهنا تحوّلت الترجمة من أداة فهمٍ إلى أداة إعادة تشكيل. فالخلاف لم يَعُد على لفظة في معجم، بل على تصوّر كامل للعلاقة بين الدين والمجتمع والسياسة، يُطرح علينا كأنّه بديهي، بينما هو في أصله إجابة أوروبية على سؤال أوروبي.
صدقوني، القضية ليست في كلمة العلمانية وحدها، بل في التحكّم في إطار التفكير. فإذا قدّمت بوصفها بديهية، صارت كل بدائلها تبدو رجعية أو مضادة للعقل، مع أن النقاش الحقيقي هو: هل النموذج الأوروبي في إدارة الدين والسياسة صالح بذاته، أم أنه أحد الحلول الممكنة في سياق مخصوص؟
٤/ مصطلح modernity
مصطلح modernity الذي تُرجم إلى الحداثة ليس مجرّد الجدّة أو التطوّر، بل هو منظومة تاريخية كاملة نشأت في الغرب مع تحوّلات العلم والدولة والفلسفة وتصوّر الإنسان. حين تُترجم إلى العربيّة بوصفها مرادفًا لكل تجديد، تصبح أداة ضغط على التراث كلّه، وكأنّ التراث في ذاته خصمٌ للزمن.
وقد رأينا كيف تَلَقَّف بعض الدارسين مصطلحات نقديّة متفرّعة من هذا الأفق — كالتفكيك والبنيويّة... fx — فصارت لديهم موضة معرفية لا أدوات تحليل، يكرّرونها في مقالاتهم وحواراتهم وكتبهم من غير امتلاك لأفقها الفلسفي. والنتيجة نصوص عربية بعبارات أجنبية وذهنيّة مستعارة.
المشكلة ليست في الاقتباس من المناهج الحديثة، بل في تحويلها إلى زينة لغوية أو إلى سلطة جاهزة. لأن المنهج، حين يُنتزع من مقدماته الفلسفية، يفقد قدرته على الفهم ويصير مجرد قناع اصطلاحي.
والمطلوب ليس الرفض المطلق، بل القراءة الواعية: أن نقتبس من غير أن نستعبد، وأن نستخدم المصطلحات من غير أن تملكنا.
لكن هذا لا يعني أن الترجمة شرٌّ في ذاتها. فالأمة التي لا تترجم منغلقة، والأمة التي تترجم بلا وعي قابلة للاستلاب. والفرق بين الحالتين هو وجود مشروع نقدي يميّز بين ما يُستفاد منه وما يُستورد بديلًا عن الذات.
وفي تاريخنا الحديث نماذج ممتازة كالدكتور عبد الوهاب المسيري الذي درس الأدب الإنجليزي، لكنه لم يتحوّل إلى وكيل للغرب، بل وظّف تكوينه المعرفي في تفكيك الصهيونية ونقد ما سماه العلمانية الشاملة، وكشف البنية المادية للحضارة الغربية حين تختزل الإنسان في وظيفته.
والبروفيسور عبد الله الطيب الذي درس في الغرب ثم عاد ليكتب دفاعًا عن البيان القرآني والشعر العربي؛ حتى إنه في بحثه عن إليوت بيّن كيف أن بعض مظاهر التجديد الغربي ليست منفصلة عن التراث العربي القديم.
هنا لم تكن المعرفة الغربية بديلًا عن الذات، بل جسرًا لإعادة اكتشافها. وهذا هو الفرق بين من يترجم ليذوب، ومن يترجم ليُبصر.
أخيرًا
الترجمة في النهاية ليست انتقال كلمات، بل انتقال قوى. قد تكون جسرًا إلى المعرفة، وقد تكون جسرًا إلى التبعية. والمسألة كلها تتوقف على الوعي النقدي الذي يرافقها.
أخطر ما في الاستعمار الناعم أنه لا يطلب منك أن تتخلى عن اسمك، بل أن تتخلى عن طريقة تفكيرك. لا يطلب منك أن تنطق بلغته، بل أن ترى العالم بعيونه.
أتساءل أحيانًا: كم مفهومًا نستعمله اليوم بثقة، وهو في الحقيقة يستعملُنا؟

تعليقات
إرسال تعليق